فهرس الكتاب
واللذة من الخيرات العامية، لأنها مما تشتاق إليه الطبيعة الحيوانية. بل كل مشتاق إليه إما جميل، وإما لذيذ - جميلا أو نافعا. وكذلك التمكن اللطيف، مثل الذكاء وحسن القبول. وكذلك الحفظ والتعلم والخفة في العلوم والصنائع. وقد تختار هذه لذواتها لا لغيرها. فهذه خيرات نافعة معترف بها عند الجمهور، وأضدادها شرور.
وقد يمكن من جهة المغالطة أن تقلب القضية، فتجعل هذه الأحوال النافعة ضارة وشرورا، وأضدادها خيرات ونوافع. فإن الشجاعة ضارة إذا كانت للعدو، وكذلك العقل إذا كان له. فإذا أخذت ضارة مطلقة ولم تضف إلى الوجه الذي ينبغي أن تضلف إليه، كانت مغالطة. وربما كان من القبيح أو المتعلق به سارا بذلك الشرك: مثل سرور رجل من الملوك المحاصرين ناحية، لما قتل عدوه ولده في بعض المغازي، فلم يزل يتضرع إليه حتى سلمه منه قتيلا، فاعتد بذلك، إذ تمكن من تدبير جثته بإحراقها على رسمهم وإحراز رمادها في الكوز لينقل إلى موضعه، اعتدادا كان يصرح به عارضا كوزه على ذويه وشيعته، ناشرا ليد عدوه في رده ولده القتيل إليه. وليس رد الولد قتيلا مما يسر به، لكنه قد صار سارا بارا لما قارنه من الحال. إذ كان حجرهم بين القتيل وبين أوليائه ممكنا لهم. ولو فعلوه لكانوا قد زادوهم غما. وكان حكم الإحنة، وحكم غزو هؤلاء إياهم يقتضي الإمعان في غيظهم. فلما لم يفعلوا، مع إمكان ومع استحقاق، كان ذلك خيرا عظيما من جهة، ومن عظيمة من الجنس الذي لا يمكن كتمانه إذا كان ظاهرا، ويلزم الشكر عليه، وإلا كان كفرانا.
فإن قال قائل: إن رد الولد قتيلا سار مطلقا، بلا اعتبار مثل هذه الحال المقارنة، كان ذلك مغالطة. وليس هو من المغالطة التي تقنع فيكون خطابيا، بل هو من الجنس الذي هو مغالطة، ولو في الخطابة، لأن مقدماته محرفة عن وجه الصدق، وعن وجه الحمد، وعن الظن جميعا.
ثم من الخيرات النافعة الإحسان أو المكافأة، فإنه في نفسه خير ونافع في خير آخر هو النباهة والذكر الجميل والمحبة. وأفضل الإحسان الإحسان إلى الأفاضل بنصرتهم على أعدائهم الأراذل، إما نصرة فعلية، وإما نصرة قولية، مثل ما فعل أوميروس الشاعر. إذ اختار فاضلين هما ثاوذروس ملك اثينيه وهيلاني ابنته واختار أخيلوس الشجاع ونصبهم هدفا للمدح والثناء، ونصب بإزائهم عدوهم اسكندر بن ملك بربر الذي كان عدوا لهم فنكلهم بالذم والهجاء، ففعل بالأصدقاء والأعداء ما ينبغي أن يفعل من الإحسان إلى الأصدقاء والإساءة إلى الأعداء على المقدار الذي كان ممكنا له فعله.