فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 781

قد تكون اقاويل منثورة مخيلة وقد تكون اوزان غير مخيلة لانها ساذجة بلا قول. وانما يجود الشعر بان يجتمع فيع القول المخيل والوزن ؛ فان الاقاويل الموزونة التي عملها عدة من الفلاسفة، ومنهم سقراط، قد وزنت اما بوزن حيا الثالث المؤلف من اربعة عشر رجلا، واما بوزن مؤلف من ستة عشر رِجلا، وغير ذلك. وكذلك التي ليست بالحقيقة اشعارا، ولكن اقوالا تشبه الاشعار. وكذلك الكلام الذي وزنه انبدقليس )188 أ ( وجعله في الطبيعات، فان ذلك ليس فيه من الشعر الا الوزن. ولا مشاركة بين انبدقلس وبين اوميروس الا في الوزن. واما ما وقع عليه الوزن من كلام انبدقلس فاقوال طبيعية وما يقع عليه من كلام أوميروس فاقوال شعرية. فلذلك ليس كلام انبدقلسي شعرا. ولذلك ايضا من نظم كلاما ليس من وزن واحد بل كل جزء منه ذو وزن اخر، فليس ذلك شعرا. ومن الناس من يقول ويغنى به بلحن ذي ايقاع. وعلى هذا كان شعرهم يسمى ديثورمبي واظنه ضربا من الشعر كان يمدح به لا الانسان بعينه او وظائفه بعينها، بل الاخيار على الاطلاق. وكان يؤلف من اربعة وعشرين رِجلا، وهي المقاطع. وكذلك كان شعرهم الذي يستعمله اصحاب السنن على النفوس الشريرة، واظنه الذي يسمى ديقراقي. وكذلك كان يعمل(طراغوذيا) وهو المديح الذي يقصد به انسان حي او ميت وكانوا يغنون به غناءا فحلا، وكانوا يبتدئون فيه فيذكرنون فيه الفضائل والمحاسن ؛ ثم ينسبونها الى واحد: فان كان ميتا زادوا في طول البيت او في لحنه نغمات تدل على انها مرثية ونياحة. واما قوموذيا وهو ضرب من الشعر يهجى به هجاءًا مخلوطًا بطنز وسخرية - ويقصد به انسان. وهو يخالف طراغوذيا بسبب انه يحسن ان يجمع اسباب المحاكاة كلها فيه من اللحن والنظم، ( قوموذيا ) لا يحسن فيه التلحين، لان الطنز لا يلائم اللحن.

وكل محاكاة فاما ان يقصد بها التحسين، واما ان يقصد بها التقبيح. فان الشيء انما يحاكى ليحسن، او يقبح. والشعر اليوناني انما كان يقصد فيه في اكثر الامر محاكاة الافعال والاحوال لا غير، واما الدواب فلم يكونوا يشتغلون بمحاكاتها اصلا كاشتغال العرب. فان العرب كانت تقول الشعر لوجهين: احدهما ليؤثر في النفس امرا من الامور بعينه نحو فعل وانفعال ؛ والثاني للتعجب فقط، فكان يشبه كل شيء ليعجب بحسب التشبيه.

واما اليونانيون فكانوا يقصدون ان يحثوا بالقول على فعل، او يردعوا بالقول عن فعل. وتارة كانوا يفعلون ذلك على سبيل الخطابة، وتارة على سبيل الشعر. فلذلك كانت المحاكاة الشعرية عندهم مقصورة على الافاعيل والاحوال، وعلى الذوات من حيث لها تلك الافاعيل والاحوال في كل فعل.

وكل فعل اما قبيح، واما جميل. ولما اعتادو محاكاة الافعال انتقل بعضهم الى محاكاتها للتشبيه الصرف، لا لتحسين وتقبيح، فكل تشبيه ومحاكاة كان معدا عندهم نحو التقبيح او التحسين، وبالجملة المدح او الذم. وكانوا يفعلون فعل المصورين فان المصورين يصورون الملك بصورة حسنة والشيطان بصورة قبيحة، وكذلك من حاول من المصورين ان يصور الاحوال ايضا، كما يصور اصحاب ماني حال الغضب والرحمة فانهم يصورون الغضب بصورة قبيحة، ويصورون الرحمة بصورة حسنة.

وقد كان من الشعراء اليونانيو ن من يقصد التشبية للفعل وان لم يكن نخيل منه قبيحا وحسنا بل المطابقة فقط.

فظاهر ان فصول التشبيه هذه الثلاثة: التقبيح، والتحسين ؛ والمطابقة ؛ وان ذلك ليس في الالحان الساذجة، والاوزان الساذجة ولا في الايقاع الساذج بل في الكلام. والمطابقة فصل ثابت يمكن ان يمال بها الى قبح، وان يمال الى حسن وكانها محاكاة معدة - مثل من شبة شوق النفس الغضبية بوثب الاسد، فان هذه مطابقة يمكن ان يمال بها الى الجانبين فيقال توثب الاسد الظالم او توثب الاسد المقدام. فالاول يكون مهيئا نحو الذم، والثاني يكون مهيئا نحو المدح. والمطابقة تستحيل الى تحسين او تقبيح يتضمن شيئا زائدا - وهذا نمط اوميروس. فاما اذا تركت على حالها ومثالها كانت مطابقة فقط.

فكل هذه المحاكيات الثلاث انما هي على الوجوه الثلاثة المذكورة سالفا0 فكان بعض الشعراء اليونانيون يشبهون فقط، وبعضهم كاوميروس يحاكي الفضائل في اكثر الامر فقط، وبعضهم يحاكي كليهما، اعني الفضائل والقبائح. ثم ذكر عادات كانت لبلاد في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت