فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 781

وليس كل ما يكون موضوعه أو محموله اسمًا مشتركا لمعانى يستمر الصدق في الحكم المحكوم به على جميعها، بل كثيرًا ما يختلف فيغلط. كما يقال إن العين بصيرة، فإن أريد عين الإنسان وعين الشمس كان مختلفًا في الصدق والكذب، فالحملية الواحدة هى بهذه الصفة وليست مركبة بالحقيقة من القضايا. وأما الشرطية فهى عند التفريق قضايامختلفة إنما يوجد بين اثنين منها الرباط بأن يقرن بأحدهما أو كليهما حرف أو لفظ فيسلبه خاصية القضية من كونه لصورته جائزًا أن يقال فيه إنه صادق أو كاذب. فإِنك إذا قلت إن كانت الشمس طالعة وسكت ولم تزد أزلت قولك الشمس طالعة عن أن أن يلحقه تصديق، فإِن هذا القول وحده لا صادق ألبتة ولا كاذب . وكذلك إذا قلت: إما أن تكون الشمس طالعة وسكت ولم تزد، بل تحتاج في الأول أن تذكر تاليه وفى الثانى أن تذكر معانده، فحينئذ يحدث قول واحد من قولين في أنفسهما قضيتان، بطل عن كل واحد منهما كونه قولا جازما. فإِن قولك أيضا: فالنهار موجود ملحقًا به الفاء معتدًا بدلالتها من غير أن تلغى لا يكون صادقًا وحده، بل بالجملة قول جازم واحد بالرباط، وليس قولا جازما واحدًا بسيطًا على الإطلاق. وكيف وفيه قولان جازمان، لكن الرباط سلبهما ذلك وأحدث منهما قولا جازما واحدا فبالرباط صار واحدًا. وإِذا علمت القول الجازم الواحد، فقد علمت الكثير، فإِن الكثير إما أن يكون واحدًا في المسموع، فذلك لاشتراك اسم فيه، وإما أن يكون كثيرًا أيضًا في المسموع كثرة لم يربط بعضها ببعض ربطا موحدًا. وهاهنا يعلم أن الألفاظ كيف تدل من حيث هى ألفاظ فقط ومن غير دلالة إيجاب وسلب، وأن التركيب الأول الجازم منها هو تأليف بين اثنين منها على سبيل إيقاع أحدهما على الآخر أو نزعه عن الآخر، وأن التركيب الثانى هو القول المركب؛ كذا قيل في التعليم الأول.

وهذا الكلام يفهم على وجهين: أحدهما أن يعنى بالإيقاع الإيجاب الذى للحملى فقط فيكون النزع هو السلب الذى للحملى، كأنه لم يتعرض لغيره، ويكون القول المركب يصلح أن يعنى به الشرطى، ويصلح أن يعنى به القياسىّ، ويصلح أن يعنى به كلاهما. والوجه الثانى أن يعنى بالإيقاع الإيجاب بالحمل والدلو، كقولك في الإيجاب الحملى زيد حيوان، وفى الإيجاب الشرطى المتصل: إذا كان كذا كان كذا، فقد أوجب فيه تلو التالى للمقدم وأوقع عليه. ويعنى بالنزع السلب والعناد جميعا. أما العناد فكقولك إما أن يكون كذا وإما أن لا يكون كذا، وذلك في الشرطى المنفصل. وأما السلب، فأما في الحملى كقولك زيد ليس بحى. وأما المتصل فكقولك ليس كلما طلعت الشمس كان غيم. يبقى ها هنا سلب العناد كقولك: ليس إما أن يكون الإنسان ناطقا وأما أن يكون ضاحكا. فإن أريد أن يفهم وجه يحتمل دخول هذا أيضًا. مما ذكر أمكن على أحد سبيلين إما أن يجعل هذا الإيقاع إيقاعا بالفعل أة بالقوة، فيكون السالب المنفصل داخلا في الإيقاع بالقوة لأنه كما تبين لك بعد في قوة حملى ما موجب، وأنت تعلم هذا في موضعه، فهذا وجه، أو يفهم من الإيقاع كل إيقاع بحمل أو اتصال أو انفصال ويجعل النزع كل سلب لهذا الإيقاع. ونحن لا نبالى أى المعانى يكون قد عنى بهذا القول، لكنه إن كان المراد هو ما يطابق الاعتبار الثانى لزم منه أن يكون المراد بقوله. والمؤلف من هذه هو القياس، لكن أظهر الوجوه هو الوجه الأوّل، فيكون الحكم البسيط هو الذى يدل على أن شيئًا موجودًا لشىء أو ليس بموجود له. وأما في اللغة اليونانية فلا بد من أن يقترن بذلك لفظ يدل على زمان. والإيجاب من ذلك هو الحكم بوجود شىء لشىء آخر والسلب هو الحكم بلا وجود شىء لشىء آخر وليس ما يرجم به التعليم الأول فقيل إن السلب حكم بنفى شىء عن شىء بشىء فإن النفى والسلب واحد فيكون كأنه قال: إن السلب حكم لسلب شىء عن شىء، أو يعنى بالنفى ما هو أعم من السلب، حتى إذا قيل لا إنسان، يكون قد نفى الإنسانية من غير نسبة إلى منفى عنه. لكن التوقبف لم يدل على أن السلب موضوع لغير ما وضع له النفى بوجه ولا هو الاصطلاح العامى بل يجب أن يقال كما قلنا: وهو الحكم بلا وجود شىء لشىء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت