فهرس الكتاب

الصفحة 684 من 781

والأشياء المقنعة: إما قول تروم منه صحة قول آخر، وإما شهادة. والشهادة: إما شهادة قول، وإما شهادة حال. وشهادة القول مثل الاستشهاد بقول نبي أو إمام أو حكيم أو شاعر؛ ومثل الاستشهاد بقوم يحضرون ويصدقون قول القائل مشافهة بأن الأمر كان؛ أو مثل الاستشهاد بشهادة الحاكم والسامعين بأن القول مقنع. فالأول شهادة مأثورة، والآخر شهادة محضورة.

واما شهادة الحال: فإما حال تدرك بالعقل، أو حال تدرك بالحس. فأما الحال التي تدرك بالعقل فمثل فضيلة القائل، واشتهاره بالصدق والتمييز. وأما الحال التي تدرك بالحس: فإما قول، وإما غير قول. والقول مثل التحدي، ومثل اليمين، ومثل العهود. أما التحدي فكمن يأتى بما يعجز عنه، فيعلم أن دعواه دعوى صادقة، ولولا ذلك لما أيد من السماء بما ليس في طباع البشر أن يوجد بقولهم، وكمن يدعى أنه أعلم من إنسان آخر بالطب، وإلا فليعالج هو معالجته. واما اليمين فحالها معروفة. وأما العهود فهي أقاويل أيضًا مدونة مكتوبة، وهي شريعة ما، يشرعها المتعاهدان على أنفسهما.

وأما الحال المحسوسة، غير القول، فمثل من يخبر ببشارة، وسحنة وجهه سحنة مسرور بهج، أو يخبر بإظلال آفة وسحنة وجهه سحنة مذعور خائف، أو ينطق عن تقرير بالعذاب والثواب. فمن ذلك ما تكون الحال الشاهدة تتبع الانفعال النفساني مثل السحنة والهيئة؛ ومن ذلك ما تكون الحال الشاهدة طارئة من خارج مثل العقوبة أو المبرة.

واما الحيل للإعداد المذكورة فتتوجه نحو من يراد إقناعه. ومن يراد إقناعه: إما المفاوض نفسه الذي تتوجه إليه المفاوضة، وأما غيره. وغيره: إما ناظر يحكم بين المتحاورين، وإما السامعون من النظارة. فههنا: قائل، وقول، وسامعون. فالحيلة الإعدادية: إما أن تكون بحيث تجعل القائل مقبول القول، أو بحيث تجعل القول أنجع، أو بجيث تجعل السامعين أقبل. فأما القائل، فأن يتكلف الاستشهاد بحال نفسه تكلفا، إذا لم يكن ذلك واقعا بنفسه، وذلك أن يتكلف الدلالة على فضيلة نفسه، أو يتهيأ بهيئة وسحنة تجعل مثله مقبول القول. وأما القول فأنه يحتاج تارة إلى أن يرفع به الصوت، وتارة إلى أن يخفض به الصوت، وتارة إلى أن ينقل الصوت، وتارة إلى أن يحد، وتارة إلى أن تخلط فيه هذه الأمور. ولكل عرض أيضًا ترتيب خاص.

وأما السامع فيحتاج أن يستعطف ويستمال حتى يجنح ويميل إلى تصديق القائل، أو يرد إلى هيئة مصدق، وإن لم يصدق. وكذلك الحاكم. وأما المناظر فيكفي منه أن يهيأ بهذه الحيلة بهيئة مذعن مصدق، وإن لم يقع له التصديق.

وهذا التأثير يوجبه أمران. أحدهما ما يحدث انفعالا، والثاني منهما يوهم خلقا. فإن الأخلاق تختلف بالناس؛ فبعضها يجعل الإنسان أسرع تصديقا؛ وبعضها يجعل الإنسان أميل إلى إيثار العناد. والانفعالات أيضًا فإنها تقوم وقت ما تحدث مقام الأخلاق في ذلك. فإن من انفعل بخوف، واتقى عاقبة عناد، كان أقرب إلى الشهادة. ومن رحم، كان أدنى إلى التصديق. ومن أحب، كان أخلق بأن يميل إلى معاونة المحبوب. ومن مدح وأعجب بنفسه، كان ميله إلى مادحه الذي عجبه بنفسه وتصديقه إياه أكثر. ومن أغضب على إنسان، كان أحرى أن يكذبه. ومن مكنت منه القسوة، كان أجدر أن لا يذعن للرحمة. ويشرح جميع هذا من ذي قبل. وأكثر ما يستدرج من هذه الحيل قولي. فيكون إذا في الخطابة أقوال غير العمود المذكور: من ذلك أقوال يراد بها تقرير هذه الحيل؛ ومنها أقوال يراد بها إيجاب التصديق بمقتضى الأمور المذكورة. مثال الأول: القول الذي يريد به الخطيب تقرير فضيلته عند السامعين ليصدقوا بها، أو القول الذي يثير به سخط القاضي على خصمه. ومثال الثاني: القول الذي يروم به إثبات كون الشهادة مقنعة، وإثبات كون المعجز حجة، وإثبات كون الشهادة بينة زكية.

فيعود الأمر إلى ان الأقاويل الخطابية التي يراد بها التصديق ثلثة أصناف: العمود، والحيلة، والنصرة.

والعمود هو القول الذي يراد به التصديق بالمطلوب نفسه.

والحيلة هي قول يفاد به انفعال لشيء أو إيهام بخلق.

والنصرة قول ينصر به ما له تصديق.

فقد اتضح لك إذا أن ههنا شيئًا هو العمود، وشيئًا خارجا عنه، وأن جميع ذلك صناعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت