لكن كل صناعة بنيت على فطرة أو تجربة من غير أن يكون الصانع قوانين كلية هي معايير له، كانت ناقصة. بل ليس كل صناعة أيضًا يحصل لها أن ترفد بالقوانين والتجربة وبمساعدة الفطرة تحصل على كمالها الأقصى، وإن توفر عليها جميع ذلك. فإن من الصنائع ما المواد المستعملة فيها شديدة الطاعة للقوة الفاعلة، ليس فيها عائق. فإذا لم يبلغ بها كمالها الأقصى في الاستعمال، كان السبب للنقص في الصناعة، كمن لا يتهيأ له أن يتخذ من الخشب كرسيا، فإن ذلك ليس لأمر في نفس الخشب، بل لأمر في نفس الصانع.
ومن الصنائع ما يكون السبب في قصورها عن الغرض الأقصى فيها، هو المنفعل، أو الآلة، أو نفس الغرض. أما المنفعل، فإذا كان فيه معاوقة للفاعل، فإن كان فوق قوة الفاعل، لم يبلغ الفاعل في تلك المادة المخصوصة غايتها؛ وإن كانت المعاوقة دون ذلك؛ بلغ مبلغا ما، مثل الصناعة المصارعة. وأما الآلة، فإذا كانت الآلة حالها مع المنفعل إحدى هاتين الحالتين. وأما الغرض، فإذا كان نفسه أصعب من سائر ما يشاكله، وكان متعذرا أن يحصل في كل مادة، بل في مادة دون مادة، مثل تفهيم الدقيق من المعاني، فليس كل مادة لها تقابل. وهذا يناسب القسم الأول، ويخالفه في أن التعويق ليس من سبب المادة كله حتى يكون التقصير منها، بل لأن المطلوب نفسه فوق المعتدل، وصعب المرام. ولولا ذلك لكانت تجيد الطاعة من غير معاوقة. وأما الأول فكان التعويق كله من جهة المادة.
وإذا علمت هذا، فليس إذا كان بعض المواد يستعصي فلا يبلغ فيه الغرض، تكون الملكة النفسانية النقتدر بها على استعمال موضوعات نحو غرض ما معدومة؛ فإنا لم نقل إن هذه الملكة النفسانية - التي هي الصناعة - هي التي يقتدر بها على استعمال كل موضوع بل استعمال ما يكون موضوعا قابلا مقويا عليه، وعنينا قدرة بحسب ما يمكن أن يحصل للإنسان بسبيل الكسب.
فالطبيب موجود له ملكة إفادة الصحة إذا حصل القوانين وعمل عليها - وإن كان قد لا يمكنه أن يفيد الغرض في كل بدن 0 إذا كان بالحقيقة صناعته معينة. فإذا كان ما يعينه، وهو الطبيعة، قاصرة، لم يقتدر بذلك اقتداره على استعمال الموضوع، إن وجد ما يعينه كافيا. وكذلك الخطيب؛ وهو خطيب بملكته إلى بما يمكنه أن يأتي بكل ما يوجب الإقناع بحسب المقدور عليه بالقوة الإنسانية. فإن لم يبلغ الغرض في واحد، فليس ذلك لفقده هذه الملكة التي بها يقنع المستعدين للإقناع.
على أنه يشبه أن تكون بعض الصناعات هو مما يوجد للإنسان وجودا كاملا، وبعضها هو مما يوجد للإنسان وجودا دون الكامل. ثم للصناعة في نفسها حد واحد، كما للصحة؛ وقصور الإنسان عن تحصيلها بالتمام كأنه كقصور عن تحصيله للصحة، فيكون إنما ينسب إلى الصناعة كما ينسب إلى الصحة؛ وكذلك إلى الفضيلة. فإنه إذا كان الغالب عليه تحصيل أفعال الصناعة، ينسب إلى وجود الصناعة له، وإن كانت بالحقيقة غير حاصلة له، كالحال في أفعال الصحة.
ويشبه أن تكون الصناعة ليست تصير صناعة بان تكون أفعالها تنجح في كل مادة، بل في أكثر المواد. فإذا كانت هناك أفعال بها يبلغ الغرض، وأتى بها الصانع، ولم يقصر فيها، كان صانعا؛ وإن لم يبلغ الغرض بسبب في الغرض، أو في المنفعل، أو في الآلة، فيكون كونه صانعا متعلقا باقتداره بتلك الأفعال، التي يمكن بها أن يصادف الغرض المقصود بها، إن لم يكن سبب من خارج. لكن الإنجاح يقع في أكثر الأمر، وربما وقع الإخفاق.
فإن كان حد الصناعة هو الحد الموجب لأن تكون للصناعة إصابة في كل غرض، خرج الطب والخطابة والرماية والمصارعة والمجادلة عن ان تسمى صنائع؛ وإن كانت تسمى صنائع، لم تكن توجد للإنسان بالحقيقة. وإن كان حد الصناعة هو الذي أومأنا إليه، فتكون جميع هذه - إذا حصل الإنسان منها القوانين، وتمكن من استعمالها بملكة نفسانية - صناعات.