فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 781

والغرض المقصود في هذه الصناعة هو الإقناع والإلزام. فليس الغرض هو الإقناع والإلزام في واحد بعينه من طرفي النقيض، بل في كل واحد منهما، إذا كان من شأنه أن يبحث عنه، ويختلف فيه، فيكون للجمهور والعاميين من أرباب الصنائع فيه رأي غير غريزي، فكان السبيل إليه من المشهورات سبيلا تأتي عليه المخاطبة الواحدة. فإن كان لا سبيل إليه من الذائعات أو كان السبيل إليه طويلا لا تفي به قياسات مركبة مبلغها مبلغ ما يخاطب به مخاطب واحد في وقت واحد، حتى يضبطه ويكون له فيه المراجعة وعليه المطالبة؛ بل كان إنما يتم بمخاطبات يوطئ بعضها لبعض، ويبلغ فيها الغرض بمخاطبة أخيرة في وقت ثالث أو رابع، إذ كان الوقت الواحد الي يسع لطول محاورة لا يفي به؛ لم تكن هذه المخاطبة جدلية، بل الأولى أن تكون تعليمية، ولم تكن مما يحسن مخاطبة الجمهور به ومن يجري مجراهم، بل مخاطبة المتعلمين خاصة. وهذا مثل أن يكون الوضع هو أن كل مثلث قائم الزاوية، فالوتر يقوى على الآخرين، فإن هذا لا سبيل إلى أن نبلغ بالمخاطبة الجدلية في موقف واحد كنه الغرض فيه. فأمثال هذه المباحث لا تكون أغراضا في الصناعة الجدلية.

فالغرض الأول في الجدل: الإلزام. وأما كونه إلزاما في هذه المسألة، فهو أمر عارض؛ ولذلك لا يتغير بأن يصير غيره مرادا إلزامه، وإن كان مقابله؛ لأن قصد الإلزام يتغير؛ كما أن الطبيب غرضه الأول إفادة الصحة؛ ثم له أن يفيدها تارة بالتسخين وتارة بالتبريد؛ فلا يصير بهذا متقابل الغرض؛ لأن غرضه الأول لم يختلف.

والحجة الجدلية هي أعم من القياس الجدلي؛ فإنها قياسية واستقرائية، وليس واحد منهما هو صناعة الجدل، بل فعل من أفعال صناعة الجدل. وكما أن العلاج ليس صناعة الطب، ولا الامتناع عن قاذورة شهوانية، فهو نفس الفضيلة العفية، بل هما فعلان يصدر أولهما عن صناعة الطب، والآخر عن فضيلة العفة. وإنما الطب ملكة يقتدر بها على إيجاد العلاج، والعفة ملكة يصدر عنها الامتناع عن الفواحش؛ كذلك صناعة الجدل هي الملكة التي يصدر عنها تأليف القياس على النحو المذكور، أو الاستقراء على النحو المذكور.

وبئس ما ظن أن القياس الجدلي هو فعل يصدر عن السائل لا غير؛ كأنه لم يسمع المعلم الأول يقول في"أنولوطيقا": إن المجيب يقيس من المشهورات، والسائل من المتسلمات؛ بل المجيب إنما هو مجيب، من حيث هو حافظ وضع، والسائل هو سائل من حيث هو ناقض الوضع. فإذا قاس قايس على رأى هو وضع يحفظه، كان مجيبا؛ وكان السائل حينئذ من يفسد عليه قياسه، ويقاوم مقدماته. وإذا قاس قايس على مقابل وضع بمقدمات يتسلمها من حاتفظ كان سائلا، ولكل واحد منهما قياس.

أرأيت لو أن مدبر مدينة، أو معلم صناعة، حاول أن يقنع الجمهور أو المتعلم في رأي أو مبدأ صناعة، يريد أن يعتقد رأيه، فإن أتى بقياس من المشهورات ليعتقد نتيجة كلية، كان بذلك سائلا، وكان يحتاج أن يتسلم المقدمات منهم، أكان يصير بذلك برهانيا أو خطابيا أو شعريا؟ كلا، بل إنما يأتي بالمشهور المسلم، ويكون قايسا جدليا ليس بسائل. فليس كل قياس جدلي إنما هو قياس جدلي، لأنه سائل، بل إنما يكون سائلا إذا حاول إبطال وضع ينصره ناصر؛ فإن لم يكن هناك وضع منصور، وإلا هناك ناصر يذب عنه، كان القياس الجدلي موجودا، ولم يكن سائل البتة. كذلك إن كان هناك مناقض ليس على سبيل أنه ينصر وضعا نقيض وضع الثاني، بل على أنه مقاوم فقط، وكان الآخر ينصر وضعه بقياس، كان الناصر ليس بسائل.

واعلم أن قولهم فيما سلف من الزمان:"سائل جدلي"يعني به غير ما يعني في زماننا بقولهم:"سائل جدلي"؛ ويعنون بالمسألة غير ما نعني به الآن. فإن السائل الجدلي إنما يسمى الآن سائلا من جهة أنه يقصد فيبتدئ فيسأل مخاطبا له عن رأيه في أمر؛ فإذا أجاب بما هو رأيه كان مجيبا، وكان الأول سائلا، ومسألته هي ما سأل من نفس الرأي. ثم بعد ذلك لا يسأل بالحقيقة شيئا، وعلى مجرى العادة، بل يأتي بقياس من تلقاء نفسه، أو استقراء، أو غير ذلك، مما هو عندهم حجة، فينتج بذلك نقيض وضعه من غير أن يسأل شيئا. لكنهم ما يسمون إيراد هذه الحجة الموجبة نحو استجابة المخاطب سؤالا، بمعنى أنه وإن يسأل بالفعل فهو بالقوة، كأنه يقول: أليس يلزمك عن هذا كذا؟ وهل عندك جواب هذا؟ وما أشبه ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت