فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 781

قد بينا من قبل أن العلم بمبادئ البرهان يجب أن يكون آكد من العلم بنتائج البرهان. فلشاك أن يشك أنه هل كلاهما علم، ولقوة واحدة، أو أحدهما علم والآخر شيء آخر ولقوة أخرى؟ ثم لا يخلو إما أن تكون موجودة فينا كما خلقنا ونحن نعلمها منذ ذلك الوقت، فكيف يكون عندنا علم وكنا لا نفطن له حتى استكملنا. وليس يجوز أن يكون عندنا علم برهاني لا يعلمه، فكيف علم أصح من البرهان؟ وإن كنا نعلم ثم نسينا، متى كنا نعلم وفي أي وقت نسينا. وليس يجوز أن نعلمها ونحن أطفال وننساها بعد الاستكمال ثم نتذكرها بعد مدة أخرى عند الاستكمال. فإذن الحق أنا نكون غافلين عن مبادئ البرهان أولا، ثم إنا نصيبها ونحصلها، فكيف نحصل مجهولا بغير برهان؟ وإن كان ببرهان، احتجنا إلى مبادئ قبل المبادئ الأولى، وهذا محال. فلا سبيل إلى حل هذا العويص إلا أن تكون عندنا قوة من شأنها أن تعلم أشياء ما بلا تعلم وبمعاونة أعوان تكون معونتها على جهة غير جهة المعونة في التعليم. وتلك الأعوان قوى الحس الظاهر والحس الباطن الموجودين في الحيوان كله أو أكثره. فإن الحس الظاهر وإن وجد في الحيوان كله فإن الحس الباطن الحافظ لما يؤديه الحس إلى النفس ربما لا يوجد لكل حيوان، أو أن وجد لكل حيوان فربما لم يكن في بعضها لفعله ثبات مثل حالها في الدود والذباب والفراش التي تفر من النار ثم تنسى أنها مؤذية فترجع إليها. وأما الحيوانات الكاملة فيبقى عندها ما أخذت من الحواس مدة طويلة. والحيوانات تأخذ بقواها الدراكة شيئين: أحدهما صورة المحسوس وخلقته كخلقة الذئب الضار لها، وخلقة المحن لها من الناس. وإنما تأخذ هذه الصورة بالحس وتخزنها في الخيال وهو في مقدم الدماغ. والثاني معنى المحسوس مثل منافاة الذئب وموافقة المحسن. وهذا القسم لا يدركه الحيوان بالحس، بل بقوة مميزة لها كالعقل لنا، وتُسمى وهما، وتخزنه في قوة أخرى تسمى ذكرا، وهي في مؤخر الدماغ. وهذه القوة الباطنة للإنسان أقوى؛ وخاصة قوة الذكر والحفظ والهم. والحس والوهم يؤكدان ما يجري في المصورة، وفي الحافظة بالتكرير.

ثم إن القوة المقتنية للعلوم الأولى فينا تطالع هذه الأوهام الباطنة فتميز الشبيه والمخالف وتنزع عن كل صورة ما لها بالعرض وتجرد ما بالذات؛ فيحدث فيها أول شيء تصور البسائط، ثم تركب تلك البسائط بعضها ببعض بمعونة قوة تسمى مفكرة، وتفصل بعضها عن بعض فتلوح لها في تلك المعاني تركيبات: فما اتفق أن كان منها ما من شأنها أن تعلمه بلا تعلم ولا وسط، علمته وجربته، مثل أن الكل أعظم من الجزء. وفي كثير منها تستفيد حكم التركيب والتفصيل من الحس على سبيل التجربة. وقد قلنا ما معنى التجربة.

فإذن السبب في أنا لا نعلم هذه المبادئ هو فقداننا مبدأ أيضًا لها وهو التصور: فإن المبادئ الأولى وإن لم تكن لها مبادئ من جهة التصديق فلها مبادئ من جهة التصور. وأما مبادئها من جهة التصور فتكتسب بالحس والتخيل والتوهم. فإذا اكتسبت أمكن أن يورد التركيب فيها والتفصيل بينها مورد التصديق فتصور من حيث هي مركبة ومفصلة. وبعد هذا التصور نعقلها بالذات. وهذا التصور أحد مبادئها.

وكما أن الحفظ يتأكد بمحسوسات متشابهة متكررة، كذلك التجربة تتأكد - بل تنعقد - بمحفوظات متشابهة متكررة. فيكون بهذا الوجه لنا أن نقتنص الكليات المتصورة والكليات المصدق بها بلا برهان، فيكون اقتناؤها بوجه غير وجه التعلم والتعليم. ونكون إنما جهلناها قديما لأن بسائطها لم تلح لنا ولم تخطر ببالنا. فلما استفاد الواحد منا من الحس والتخيل بسائطها على النحو المذكور ولاح له تأليفها، كان ذلك سبب تصديقنا بها لذاتها إذا كان متصلا بالفيض الإلهي الذي لا ينفصل عنه المستعد.

وأما سائر العلوم فتستفاد إما من التجربة وإما بوسط إذا كان نفس تأليف البسائط لا يقتضي التصديق. فتكون المكتسبات من العلوم قد سبقها سببا الجهل - وهما عدم لوح البسائط للذهن وعدم الوسط والتجربة والأوائل البينة بنفسها سبقها أحد السببين: وهو الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت