والذي في التعليم الأول بعد هذا لا يجب أن يفهم منه أنه يتكلم في القياس العام، بل هذا في القياس السوفسطائي، وإن كان كذلك قال:"وقد كان لنا في الصنائع البرهانية والجدلية المذكورة أصول مأخوذة ممن سبقنا"ليس يعني من حيث هي مجردة عن المواد، بل من حيث استعملت في مواد، فكان هناك جزئيات استعملت في البراهين - مثلا في الهندسة - وجزئيات استعملت في السؤال والجواب في الجدل والخطابة، أمكن أن ينتزع منها قوانين كلية. وهذه الجزئيات كانت في ابتداء تفطن الناس للجدل والخطابة قليلة جدا، ثم انشعب، وكثرت على حسب نبوغ النابغين أخيرا، والبناء عليها، وتبديلها، وإصلاحها، وصارت لهم ملكة - وإن لم تكن عن قوانين - فسألوا وحلوا وخلفوا من الجزئيات ما فيه الكفاية؛ وربما دلوا على أمور ما من الكليات، وإن قلت. وقد ذكر أقواما توالوا في تربية الخطابة بعد القدماء مثل طيطياس، وبعده ثراسوماخوس الذي يجادل سقراط في أمر العدل، ثم ثادروس.
واما مقاومة السوفسطائيين فلم يوف السالفون منها شيئًا يعتد به لقلة الحاجة إليه، بل لم يكن عندهم منها شيء - لا في الأصول ولا في الجزئيات - نرثها إياهم أصلا، )و( مع ذلك فإن الحاجة قلت إلى صناعة السوفسطائية، فلم يتم عقودها فضلا عن حلولها، بل تكلموا في امثلة قليلة جزئية، وأشياء تناسب الخطابة؛ لكنا بسطنا القول قليلا، ونظرنا في وجوه الأغاليط، وجمعناها، وجردناها من المواد صناعة كلية. وإنما مست الحاجة إلى مثل الخطابة بسبب إيثار ما يؤثر، واجتناب ما يجتنب. وكان الأولون إنما وقعوا أولا من الخطابة إلى هذا الجنس، ثم استنبطوا؛ وكانوا يستعجلون فيعلمون ويتعلمون قبل أن يجردوا الصناعة، فيكون من يعلم منهم يتعلم منه على سبيل ما يتعلم من المعلم المجرب لا على سبيل الصانع القياس، فما كانوا يفيدون صناعة ولا أمرا كليا، إلا ما يعتد به، بل يبلغ فائدة. وكان مثلهم مثل من يقول: إني أعلمكم حيلة في وقاية أقدامكم ألم الوطء والحفا، وهو أن نقطع من الجلود ما تلبسون من غير تفصيل وبيان، بل على سبيل عرض خفاف معمولة عليه - فإن هذا بعد لا يكون صناعة ما لم يعلم أي الجلود تصلح، وكيف تقطع، وكيف تخرز، وما لم تميز الخفاف والشمشكات بفصولها. بل الذي يفيد مثل هذا العلم، فإنما يفيد أمرا مستبهما - وكل ما حسبنا تجمع الخفاف من غير تفصيل. ومع ذلك فإنه لا يخلو بما يعمله عن هداية، ولكنه لا يكون قد أفاد الصناعة. وأكثرهم جدوى من أفاد شيئًا صناعيا اتخذه، فصناعته كمن أفاد خفا معمولا، ولم يفد بذلك صناعة، إذ لم يفد كيف يعمل الخف. قال: فلهذا لم نستفد ممن سلف صناعته، بل ورثناهم أمورا خطبية معمولة وجدلية وبرهانية.
قال: وأما صورة القياس؛ وصورة قياس قياس، فأمر قد كددنا في طلبه مدة من العمر حتى استنبطناه؛ فإن عرض في هذا الفن الواحد تقصير فلنعذر من يشعر به عند التصفح؛ ولنقبل المنة بما أفدناه من الصواب؛ ولنعلم أن إفادة المبدأ واستخراج قاعدة الصناعة أجل موقعا وأسمى مرتبة من البناء عليها خصوصا إذا كان المستنبط - مع انه مخترع مبتدئ - محيطا بكل الصناعة وقوانينها، لا يذر منها إلا ما يعتد به. فهذا ما يقوله المعلم الأول.