فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 781

أما المعنى الأول فهو من باب الوضع، وأما المعنى الثانى فمن باب الكيف، وأما المعنى الثالث فمن باب الكم المقارن للإضافة أو الإضافة المقارنة للكم ، لأنه زيادة حجم. وقد اتفق أن كانت العناصر ذوات البرد تقارن فيه التخلخل الذى بمعنى زيادة الحجم، التخلخل الذى بمعنى الرقة؛ والتكاثف الذى بمعنى نقصان الحجم، التكاثف الذى بمعنى الغلظ والمقاومة. وكانت العناصر ذوات الحر بالضد، مثل الهواء أذا صار نارًا فازداد تخلخل حجم ولم يزدد تخلخل قوام، والنار إذا صارت هواء، كان بالضد في ذلك. وأما البارد فإنه إذا صار حارًا، عرض له التخلخلان جميعًا؛ والحار إذا صار باردًا، عرض له التكاثفان معا. فهذا هو الذى يجب أن يتحقق؛ ولا تلتفت إلى ما كتب في مواضع أخرى.

ولنقتصر على هذا المبلغ من شرح هذا الجنس، ولنحاذ بعبارتنا نظم التعليم الأول، لنفهم ما قيل فيه على وجه تزول معه الشكوك فنقول: إن هذا الجنس منه كيفيات انفعالية هى التي تكون قارةً راسخةً في الشىء، كحلاوة العسل، وسواد الغراب، وليس يقال لها إنها انفعاليات، لأنه يجب أن تكون ما هى فيه لا محالة قد انفعلت بها بل لأنها تنفعل عنها على النحو المذكور. أما الحواس فقط، أو الحواس وغيرها، وبعض هذه، فلها مزية نسبة إلى الانفعال، مثل البياض والسواد، فإنهما لا توجد في أجسامها إلا أن يكون قد وقع قبلها انفعالات في موضوعها في الكيفيات الأولى الملموسة حتى حصل مزاج يوجبها؛ فإن ما سوى الملموسات بالحقيقة يتبع الملموسات، فإنك ترى الإنسان يعتريه من الخجل والوجل حر أو برد، فيتبع ذلك حمرة كما في الخجل، أو صفرة كما في الوجل؛ فإن عرض مثل تلك الأسباب في أصل الكون والولادة، فثبت، فاستقر مزاجا ، وتبعها حمرة أو صفرة، صارت الحمرة والصفرة لازمتين، فكانت من جملة الكيفيات الانفعالية. وكذلك إذا عرض بعد الكون فثبت كمزاج يحدث فيثبت ما يوجبه.

وأما الذى يعرض للزوال فهو مثل الشىء الذى إذا سئل عن قوم عرض لهم لانفعال ما، لم يصلح أن يجاب به، ولم تلتفت إلى ما عرض لهم منه. وقد جرت العادة أنه إنما يعرفون بالكيفيات التى تلزمهم، فلا يقال لمن خُلِق أحمر البشرة أنه مصفار اللون بسبب عارض من وجل أو حرد غير لونه، فلذلك لم تسم هذه كيفيات بل انفعالات.

وأعلم أن هذا على سبيل المجاز والتوسع في الكلام، وإلا فالكيفية تقال على المعنيين جميعًا؛ وذلك لأنه إذا سئل عن الذى أصفر للوجل، أنه كيف هو في هذه الحال، فقيل أصفر اللون، لم يكن الجواب كاذبًا؛ وإذا سئل عنه، أنه كيف هو مطلقًا، فلا يجاب في العادة بأنه أصفر إذا كان محمار الخلقة. والسبب في ذلك أن المجيب يستشعر أن السائل يسأله، أنه كيف هو في طبيعته الصحيحة، وفى حالة الأكثرية، ويكون عنده أن السائِل توسع فترك بعض ما يجب أن يتم به عبارته، فيجيبه حينئذ بما يجيبه. وإذا سأل مطلقًا أيضًا، أنه كيف زيد، وكان السؤال لا يقتضى زيادة استشعار، أو كان السؤال يوهم المجيب أنه يسأل عن حاله في الوقت، فلا يكذب، لو قال: مغموم أو محموم، وإن كان ذلك سريع الزوال.

وأما أن نفس السؤال بكيف أى جواب يقتضى بحسب اعتبار الأزمنة، واعتبار دوام الحال، ولا دوامها، فليس بنا حاجة الآن إلى بيانه. فيجب أن يتصور الأمر على هذه الصورة فلا يلتفت إلى من يحرم أن تكون الكيفيات السريعة الزوال صالحةً للدخول في جواب كيف. واعلم أن ذلك إنما لا يصلح للاستشعار المذكور من سؤال السائل، وليس هذا السؤال والجواب متعارفين في الكيفيات التى من هذا الجنس فقط بل من الجنس الأول، فإن الملكات قد يجوز أن تسمى كيفيات انفعالية، والحالات انفعالات، وإن كان ذلك إذا اعتبر مع الجنس الثالث مقولًا بتشابه الاسم، إلا أن لا يجعل اسم الكيفيات الانفعالية والانفعالات اسمًا مساويًا، لا لمعنى هذا الجنس بل لمعنى أعم منه، وهو أن تكون كل كيفية بطيئة الزوال عن المتكيف بها تسمى كيفية انفعالية، وكل كيفية سهلة التغير تسمى انفعالًا؛ فتكون قسمة الكيفية إلى الكيفيات الانفعالية والانفعالات ليست قسمة على سبيل التربيع، بل على سبيل التثليث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت