وأما البحث الثانى وما قيل في حد االشكل، فيشبه أن يكون ذلك الرسم المشهور غير محقق للشكل الذى هو الكيفية، بل هو رسم للشكل الذى يستعمله المهندسون الذين يقولون إنه مساوٍ لشكل آخر وغير مساوٍ، وهو نصفه وثلثه، ويعنون بذلك مقدارا مشكلًا. وذلك لأن الشىء الذى تحيط به الحدود بالذات هو المحدود ، والمحدود بالذات هو المقدار، والمقدار بالذات هو كم، والشكل كيف، والكيف ليس بكم، فليس إذن ما تحيط به الحدود بشكل هو الشكل الذى من باب الكيفية؛ لكن الهيئة الحاصلة من وجود الحد والمحدود على نسبة ما هو الشكل.
والدليل على صحة ما أقوله، وغفلة هؤلاء عنه، أن المربع غير التربيع، إلا أن يقال مربع ويعنى به التربيع نفسه، كما يقال أبيض ويعنى به البياض. ثم لا شك أن التربيع شكل من باب الكيف، والتربيع لا يقال إنه ما أحاط به حدود، بل يقال أنه هيئة ما أحاط به الحدود؛ وأما المربع فإن عنى به الشىء الذى أحاط به الحدود الأربعة، فلا يقال إنه كيف، بل إنه مكيف، ولا يصح حمل الكيف عليه. والمهندسون إنما يعنون بالمربع وبالشكل غير هذا الذى نذكر في هذا الباب؛ فإنهم يعنون بالمربع وبالشكل الشىء الذى فيه التربيع والشكل؛ فلذلك صح قولهم: الشكل ما أحاط به حد أو حدود؛ فإن الشكل الذى للمهندس هو غير الشكل الذى كلامنا فيه ههنا، وأما من عنى به التربيع، فلا يمكنه أن يقول إن الشكل ما أحاط به حد أو حدود. فقولهم إن رسم الشكل المذكور ههنا هو هذا الرسم، قول مجازف فيه.
وإذ عرف هذا، فقد صحح أن الاستقامة، والانحناء، والتسطيح، والتقبيب، وغير ذلك ليست بأشكال، بل هيئات للكميات لا تتعلق بالحدود بوجه من الوجوه.
وأما البحث الثالث فيجب أن تعلم فيه، أن المعانى التى تلتئم من اجتماع أمور، فإنها يعسر إعطاء الحدود الموازنة لأسمائها؛ لأن الجمهور يصعب عليهم أن يميزوها، وأن يلتفتوا إلى خصائص أحوالها، إذ انتفاعهم بالجملة منها كانتفاعهم بالتفصيل في القدر الذى يحتاج إليه الجمهور من تخيلها. والشكل من تلك الجملة. فإن الشكل ملتئم من مقدار ومن حدود على هيئة، كالمربع من سطح، ومن أربعة حدود، ومن هيئة. فلا يبالى في عادة الجمهور، أن يجعل اسم المربع واقعًا على السطح، من حيث له أربعة حدود، وعلى الحدود الأربعة، وعلى الهيئة. لكن السطح والحدود من باب الكم؛ فإذا أخذت معروضًا لها ما يعرض، فإنه يحصل منها كميات ذوات أعراض، لايخرجها ما يعرض لها عن أن تكون كميات.
كما أن الحركة لا تخرج الإنسان من أن يكون حيوانًا وجوهرًا، وإن نظر إلى الهيئة كانت الهيئة كيفية؛ وليس ولا واحد من الاعتبارين من باب الوضع، ولا فيه وضع ألبتة. وقد غلط من ظن أن الشكل يصدق حمل معنى الوضع عليه بوجهٍ من الوجوه، وإنما عرض له من جهله باشتراك الاسم في الوضع. وذلك لأن الوضع قد يقال على وجوه. فيقال: وضع لحصول الشئ في موضعه، وهذا المعنى من الوضع هو نفس مقولة الأين. ويقال: وضع لحصول الشئ مجاور للشئ من جهة مخصوصة كما يوضع خط من يمين خط؛ وهذا الوضع نوع من المضاف، ومقول ماهيته بالقياس إلى غيره، فإن وضع الشئ عند مجاوره، مقول بالقياس إلى وضع مجاوره عنده، بل هذا الوضع هو المجاورة؛ ومن يشكل عليه أن المجاورة من باب المضاف ؟ ويقال وضع للهيئة الحاصلة للجسم بسبب نسبة بعض أجزائه إلى بعض في الجهات بسبب حصول الوضع بالمعنى الثانى لأجزائه، وبالجملة لوجود إضافة ما في أجزائه التى توجد بالفعل أو بالتوهم، حتى تكون الأجزاء إذا وجدت على إضافة ما معلومة، أو كان الجسم بحيث يمكن أن يتوهم فيه أجزاء ذوات إضافة ما معلومة، حصل للكل بسبب ذلك هيئة هى الوضع، وهذا هو المقولة. فإن الجلوس هو صفة لجملة الجالس لا لشئ من أجزائه. لكن إنما تكون هذه الصفة للجالس، إذا كان لأجزائه بعضها إلى بعض إضافة، أو إمكان إضافة؛ ولا كل إضافة، بل إضافة هيئة المجاورة؛ ولا كل إضافة هيئة المجاورة، بل أن يكون لها نسبة مع ذلك إلى جهات تكتنفها، أو أجزاء أمكنة أو أجزاء أمور محوية فيها.