فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 781

فإذا علمت هذه الأحوال، فيجب إذا نظرت في حال تلازم هذه القضايا أن تنظر في حال تلازم هذه القضايا الرباعية التى لها جهات على أنها جهات الربط لا جهات السور وبعد ذلك أيضا فلن تنكشف لنا حقيقة الأمر فيها إلا بعد أن يعلم حال اشتراك واقع في لفظة الممكن فنقول: إن لفظ الممكن قد كان مستعملا عند الجمهور على معنى، وهو الآن عند الفلاسفة مستعمل على معنى آخر. فكان الجمهور يعنون بالممكن الأمر الذى ليس بممتنع من حيث هو ليس بممتنع، ولا يلتفتون إلى أنه واجب أو غير واجب. ثم عرض أن كانت أمور يصدق أن يقال فيها إِنها ممكنة أن تكون وممكنة أن لا تكون، أى ليست ممتنعة أن تكون وليست ممتنعة أن لا تكون، وأمور أخرى يعرض فيها أن تكون ممكنة أن تكون وليست ممكنة أن لا تكون. فلما وجد الخواص بعض الأشياء يجتمع فيها إمكان أن يكون وإمكان أن لا يكون، أعنى الإمكان العامى، خصوا حاله باسم الإمكان، فجعلوا الشىء الذى يصح فيه الإمكانات جميعا أعنى في السلب والإيجاب مخصوصا باسم الإمكان، وهو الشىء الذى لا ضرورة فيه. فهؤلاء الخواص اتفقوا فيما بينهم واصطلحوا على أن يسموا الأمر الذى لا يمتنع وجوده ولا عدمه ممكنا. فصارت الأشياء عندهم ثلاثة أقسام: ممتنع الوجود، وممتنع العدم، وما لا يمتنع وجوده ولا عدمه؛ وإن شئت قلت ضرورى الوجود، وضرورى العدم، وما ليس بضرورى الوجود والعدم. ومعني الضرورى الدائم ما دام الموصوف به موجود الذات، على ما سنشرح هذا في موضع آخر بالتحقيق. فالممكن إذا عني به المعنى العامى كان كل شىء إما ممكنا وأما ممتنعا، وكان ما ليس بممكن ممتنعا وما ليس بممتنع ممكنا، ولم يكن هناك قسم آخر. وإذا عنى به المعنى الخاص كان كل شىء إما ممكنا وإما ممتنعا وإما واجبا، ولم يكن مل ليس بممكن ممتنعا، بل ما ليس بممكن ضروريا إما في الوجود وإما في العدم. وبعد ذلك فإِن الخواص قد انعقد فيما بينهم اصطلاح آخر فجعلوا دلالة الممكن على معنى أخص من هذا المعنى وهو الذى حكمه عندما يتكلم به المتكلم معدوم، لكنه في المستقبل غير ضرورى الوجود أو غير الوجود في أى زمان فرض وسيأتيك استقصاء القول في هذا المعنى فيما يستقبل من الفنون. فيكون الممكن مقولا على معان ثلاثة تترتب بعضها فوق بعض ترتب الأعم فوق الأخص، فيكون قوله على الأعم والأخص باشتراك الاسم، ويكون مقولا على الأخص من جهتين: إحدى الجهتين فيما يخصه، والأخرى من جهة حمل الأعم عليه، وهذا شىء قد علمته فيما سلف. فالمعنى هو العامى وهو أن شيئا حكمه غير ممتنع، وأعنى بالحكم ما حكم فيه من إيجاب أو سلب. والمعنى الخاص هو أن حكمه غير ضرورى والمعنى الثالث أن حكمه غير حاصل ولا ضرورى في المستقبل. فلأمر الموجود الذى لا يجب وجوده لا يدخل في الممكن الأخص ويدخل في الخاص والعام، والواجب لا يدخل في الأخص ولا في الخاص ويدخل في العام. ثم إن قوما تشككوا على أنفسهم فقالوا: إن الواجب لا يخلو إِما أن يكون ممكنا أو لا يكون فإن كان ممكنا والممكن أن يكون ممكن أن لا يكون فالواجب ممكن أن لا يكون، هذا خلف. وإن لم يكن ممكنا، وما ليس بممكن فهو ممتنع، فالواجب ممتنع، وهذا خلف. فأجابوا بما هذه حكايته، قالوا: إن الممكن اسم مشترك فيقال على ما بالقوة ويقال على الضرورى، فالممكن الذى يقال على الضرورى لا يدخل فيه الممكن الآخر، ولا يكون ممكنا أن يكون وممكنا أن لا يكون معا؛ بل ممكن أن يكون؛ وأما الممكن الذى يقال على القوة فهو الذى يصدق فيه ممكن أن يكون وممكن أن لا يكون معا. فإذن ليس كل ما يقال له ممكن أن يكون يصدق عليه أنه ممكن أن لا يكون، فإن الممكن يقال على الضرورى؛ وليس أيضا كل ما يسلب عنه الممكن يجب أن يكون ممتنعا، فإن الممكن الذى بالقوة يسلب عن الضرورى ولا يجب منه أنه ممتنع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت