فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 781

ويجب أن لا يغرك شيء واحد، وهو أن القوم تدهم كلما استثنوا نقيض التالي أوجبوا نقيض المقدم. وتعلم أن الاستثناء ليس هو فرضا فقط؛ بل الاستثناء هو شهادة بالوجود والحصول. وهذا الوجود على وجهين: أحدهما أن بحسب الأمر في نفسه فلا يكون نقيض التالي هناك باطلا البتة، أو بحسب إقرار الخصم به. فالخصم أيضا لا يجعله محالا، فيلزم ما يلزم لزوم من قد سلم وجود غير الحق، وليس ما يلزم هو بعينه الحق. وليس يلزم ذلك من حيث هو عكس كيف اتفق؛ بل من حيث اعترف أن الأمر موجود من حيث هو موجود. وأما في نفس الأمر فلا يلزم عن ذلك الاستثناء شيء،إذا لم يكن الشرط المذكور، وهو أن يكون هناك شرط ولزوم شيء. فلينظر فيما كنا فيه: هل هو لازم بحسب اعتراف من يعترف بوضع النقيض للتالي، فتكون صورة الإلزام: أنه إذا اعترف بذلك لزمه وضع نقيض المقدم؟ فنقول: إن هذا لا يتصور، لأن المعترف لا يلزمه ذلك إلا أن يكون سلم الشرطية بشرطها، ولا يمكنه أن يسلم الشرطية ويفرض وضع نقيض التالي. وذلك لأن تسليم الشرطية ههنا هو ليس على معنى اللزوم؛ بل على أن الأمر الثاني صادق في الوجود مع الأمر الأول، وهو موجود أو مفروض من غير لزوم عنه؛ بل في نفسه. فلا يمكن مع ذلك أن نقول أن نقيض التالي قولا يلزمه خلف، لا لأنه يقول: لكن موجودا أن الحمار ليس بناهق، بعد ما قال: إن موجودا أن الحمار ناه دائما. فإن فرض ذلك وجّز، جوّز أن يكون كل إنسان ناطقا، وليس كل حمار بناهق.

فلننظر هل قول القائل: إن كان كل حمار ناطقا، فكل إنسان ناطق، صدق في معنى الموافقة؟ فنقول: يجب أن لا يكون صدقا على معنى الموافقة. فإنه إذا فرضنا كل حمار ناطق، أو لا شيء من الحمير ناطقا، فالصدق في نفسه هو: أن كل إنسان ناطق. فإذا اعتبرت كون التالي صدقا في نفسه، لا لازما عن المقدم، فقولنا: كلما كان الحمار ناطقا، فإن كل إنسان ناطق، حق. واعلم أن إذا قلت: إن كان، أو إذا كان، لم يجب أن يخطر ببالك من نفس اللفظ أن ذلك يكون، أولا يكون. فإن عرفت ذلك فعده في جملة ما تعرفه من خارج؛ بل هذا اللفظ يدل في كل موضع على معنى أعم من الذي يفهم معه أن له وجودا أو ليس ه. وإذا كان المفهوم من هذا اللفظ في كل قضية شرطية هذا، كان مفهومه في كل موضع الفرض. فأما إلا لفتات إلى أن المفروض يوجد، فليس من قبيل هذا اللفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت