فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 781

فإذن الأشكال القياسية ثلاثة، أعني الاقترانية، وقد كان قيل: إن الاستثنائية أيضًا إنما تتم بالاقترانية، وكذلك الخفية. فكل مطلوب إنما يتم بهذه الأشكال. وتتم هذه الأشكال بالشكل الأول. ثم قيل بعد هذا القول في التعليم الأول: إن كل قياس يتم بكلي، وموجب. ولا ينتج كلي إلا عن كليتين. وأما الجزئي فقد ينتج عن كليتين، وعن كلي وجزئي. والنتيجة تشبه في الجهة إحدى المقدمتين لا محالة. فبهذا القول يتبين صحة ما ذكرناه، من إنه إذا كانت ضرورية وممكنة، لم تجب نتيجة مطلقة، أو مطلقة ممكنة، لم تجب النتيجة ضرورية.

قد تبين لك من هذا أنه لا بد في كل قياس من مقدمة كلية، ومما هو موجب بالفعل أو بالقوة، كالمكن والمطلق الصرف. إذ قوة سالبة، قو موجبة. ويتبين أن الكلي لا ينتجه إلا كليتان. وأما الجزئي فقد ينتجه كليتان، وكلي وجزئي. والموجب لا ينتج إلا موجب. والسالبة لا تنتجها إلا سالبة وموجبة، لا موجبتان. قيل: وفي كل قياس مقدمة تشبه النتيجة في الكيفية والجهة، إما كليتهما، وإما أحد يهما، فالظاهر من اعتراف المعلم الأول بهذا، أن الذي يورده في استنتاج ممكنة، عن مطلقة ضرورية، هو على سبيل التشكيك، وكذلك ما ينتجه من مطلقة، عن ضرورية وممكنة.

(ج) فصل

قد استبان لك أن لا قياس اقتراني عن مقدمة واحدة، ولا عن أكثر من مقدمتين. وبقي لك أن تتشكك وتقول: إنا قد نشاهد أقاويل قياسية، يحاول بها إبانة مطلوب واحد، وتزن المقدمات فيها أكثر من اثنتين، مما يدل على ذلك كتاب الأصول في الهندسة، وغيره.

فنقول: إن المقدمات تكثر في القياسات، وتزيد على الاثنين، لأحد وجوه ثلاثة: إما أن تكون تلك المقدمات ليس مقدمات القياس القريب، بل مقدمات تنتج المقدمات التي هي أقرب. وإما أن تكون موردة على سبيل الاستقراء والتمثيل، فلا تكون مقدمات القياس نفسه، بل مقدمات استقراء يتعرف بها صحة مقدمة. وأما أن تكون خارجة عن الضرورة، وعن المنفعة القريبة من الضرورة. وهذا على وجوه: بعض تلك الوجوه أن ترد للحيلة، وبعضها أن تورد للزينة؛ وبعضها أن تورد لاستظهار في الإبانة. فأما الموردة، فهي التي يراد بها ستر النتيجة التي كانت المقدمات الضرورية لو أوردت صرفه لحدس ما تناسق إليه في النتيجة، وعلم كيفية انسياقه إليه، فعوسر في تسليمها؛ فإذا خفي وجه انسياقها، وظن بها أنها عديمة الجدوى، وخصوصًا لاختلاط ما يجدي بها، تركت المعاسرة تسليمها. وهذا في الجدل وفي الامتحان، وقد يقع ذلك في الغباوة، والتلبيس، والترائي بالتدقيق. وأما التي للزينة، فمقدمات يحاول بها تحسين الكلام بالتشبيب، وبالتخلص، وهي مقدمات وجودها وعدمها في المقصود بمنزلة. وأما التي للإيضاح فكالأمثلة المستغنى عنها، وغنما تورد للتفكير كالاستشهادات المستغنى عنها، وكتقسيم اللفظ، وكالانتقال من لفظ إلى لفظ، وغير ذلك مما يقال في كتاب في الجدل. وأما القياس القريب، فمحال أن يكون من أكثر من مقدمتين، بل يحتاج أن يكون الأصغر فيه بالقوة أو بالفعل داخل تحت حكم الأكبر كلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت