والمباينة الثالثة هى أنَّ الجنسَ أقدمُ من الفصل؛ وذلك لأن الجنس قد يوجد له الفصل المعين، وقد لايوجد له، والفصل إنما وجوده في الجنس، ولذك لاترتفع طبيعة الجنس برفع طبيعة الفصل، وترتفع طبيعة الفصل برفع طبيعة الجنس. وفى هاتين المباينتين موضعُ شكٍ، فإنَّ من الفصول مايقع خارجا عن طبيعة الجنس، مثل الانقسام بمتساويين، فإنه فصل الزوج فيما يُظَن، ويقع خارجا عن العدد؛ لكن الجواب عن هذا سيلوح لك في مواضع أخرى.
والمباينة الرابعة هى أنَّ الفصل َ يُحْمل من طريق أى شئ هو، والجنس يحمل من طريق ماهو وهذا القول بانفراده لايكون دالا على المباينة؛ فإنّ شيئين إذا وُصِفا بوصفتين مختلفتين لم يكن ذلك دليلا على مباينتهما. فأنّ قائلا لو قال: إنّ المباينة بين زيد وبين عمرو هى أن هذا حساس وذلك ناطق، أو أنّ هذا ملاح وذلك صائغ، لم يكن هذا القدر كافيا في التفريق، فإنّ الوصفتين المختلفتين في المفهوم ربما جاز أن يجتمعا، فلا يَبعُد أن يكون كونُ زيدٍ حساسا - وإنْ كان في المفهوم مخالفًا لكون عمرو ناطقا - هو مما لايوجب أن يباين به زيدٌ عمرا، فلا يستحيل أن يكونَ كل واحد منهما - مع أنه حساس - ناطقا أيضا؛ لأنَّ الأوصافَ المختلفة المفهومات قد تجتمع في موصوف واحد؛ وكذلك الملاح والصائغ، بل يجب أن يكون بينهما قوة السلب، حتى يكون الحساس يلزمه أن لايكون ناطقا، والناطق أن لايكون حساسا. ثم كون الجنس مقولا في جواب ماهو لايمنع أن يكون مقولا في جواب أى شئ هو، على أصول هؤلاء، ولا بينهما قوة هذا السلب، فإنه لايمتنع أن يكون مايقوم ماهية الشئ يميزه عما ليست له تلك الماهية، حتى يكون بالقياس إلى مايشترك فيه مقولا في جواب ماهو، وبالقياس إلى مايفترق به مقولا في جواب أى شئ هو؛ فهذا القدر لايمنع أن يكون جنس الشئ هو أيضا فصلا له باعتبارين، إنْ كانت المباينة المطلوبة هى هذه، ولا يوجب أن يكون جنس الشئ ألبتة فصلا له. وأما أن يكون فصل الشئ جنس شئ آخر فذلك مما لايمنعونه فيما أُقدر، وذلك كالحساس فإنه جنسٌ بوجهٍ للسميع والبصير، وفصلٌ للحيوان. فإنْ قال قائل: إنَّ الشئ الواحد قد يكون جنسا وفصلا لشئ واحد؛ فإنه، وإنْ كان جنسا وفصلا لشئ واحد، فإنَّ اعتبار أنه جنسٌ غيرُ اعتبارِ أنه فصل، وقال: نحن إنما نريد أن نوضح الفرق بين الاعتبارين اللذين يطلق على أحدهما اسم الجنسية، وعلى الآخر اسم الفَصْلية، لم نخالفه، ولم نبكته، ولم ننازعه في التسمية، ولكنه يكون غَيَّر مِنْ كلامنا معه؛ لأنَّ كلامنا مع الذى دل باسم الجنس والفصل على طبيعتين مختلفتين اختلافا لايكون الشئ الواحد بالقياس إلى موضوع واحد موصوفا بكلا الطبيعتين، بل يجعل إحدى الطبيعتين صالحة لأحد الجوابين، والطبيعة الأخرى صالحةً للجواب الآخر؛ لكن الوجه الذي ذهبنا نحن إليه في تفهم المقول في جواب ماهو، والمقول في جواب أى شئ هو، يعلمك أنّ المقول في جواب ماهو، لايكون مقولا في جواب أى شئ هو، وبالعكس، فتكون هذه المباينةُ على ذلك الوجه صحيحةً. لكن لقائل أنْ يقول: إنكم قد أطلقتم القول في عدة مواضع إن الفصل أيضا قد يقال من طريق ماهو، وخصوصا في كتاب البرهان فنقول: إنه فرق بين قولنا إنّ الشئ مقول في جواب ماهو، وبين قولنا إنه مقول في طريق ماهو؛ كما أنه فرقٌ بين قولنا"الماهية"وبين قولنا"الداخل في الماهية"فالمقول من طريق ماهو كل ما يدخل في الماهية،ويكون في ذلك الطريق، وإنْ لم يكن وحده دالا على الماهية؛ والمقول في جواب ماهو، هو الذي وحده يكون جوابا إذا سُئِل عما هو. فالفصل يدخل في الماهية ويكون مقولا من طريق ماهو؛ إذْ هو جزءُ الشئ الذي يكون جوابا عن ماهو، لكنه ليس هو وحده مقولا في جواب ماهو.