فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 781

وأورد مباينة أخرى وهى أنَّ فصلين يأتلفان فُيَقِّومان نوعا، والنوعان لايأتلفان فيقَّوم منهما نوع؛ وجعل مثال الفصلين الناطق والمائت، وقد عُلِم أنهما غير متساويى التركيب، كما شرحناه قبل. لكن هذه المباينة تستمر على أحد اعتبارين: إما أن يُجْعل الفصلان من جنس فصلى الحساس والمتحرك بالإرادة، وإمَّا أن يقال: إنَّ الفصلين المختلفى الترتيب يجتمعان، فيحدث من اجتماعهما إلى ماتجتمع معه نوع، هو غير كل واحد منهما. وأما النوعان المختلفا الترتيب فلا يأتلفان، حتى يحدث منهما، غير كل واحد منهما، نوع آخر، بل يكون الأعم منهما جزءا من الأخص، ويكون الحاصل لاشيئا حاصلا من اجتماعهما، بل هو شئ هو أحدهما. والنوعان اللذان لايختلفان في الترتيب بل يكونان متباينين، لايجتمعان ألبتة. لكن لقائل أن يقول: إنَّ الناطقَ والمائت في أنفسهما نوعان من أشياء أخرى، وإنْ لم يكونا نوعين للناس، وقد اجتمعا فإحدثا نوعا، وكذلك كثير من الطبائع المختلفة الأنواع تجتمع فيكون منها نوع ثالث بالاجتماع، كالاثنينية والثلاثية يفعلان بالاجتماع الخماسية، وهى نوع ثالث غيرهما، فإنّ الجواب أن الاعتبار الذي ذهب إليه في ذكر هذه المباينة غير هذا الاعتبار؛ وذلك أن الغرض فيما يقوله متوجه نحو أشياء محمولة على أشياء بأعيانها يشترك فيها؛ فإنها إذا كانت فصولا كالناطق والمائت اللذين قد يُقالان على موضوعات بأعيانها، فإنها إذا اجتمعت فعلت شيئا ثالثا يكون نوعا من الأنواع لتلك الأشياء، وتكون تلك الأشياء موضوعات له، كما توضع الأشخاص للأنواع، ولا يكون كذلك الناطق؛ لأن الحيوان داخل في ماهية تلك الأشخاص، وليس داخلا في ماهية الناطق والمائت؛ فليس الناطق والمائت نوعين بالقياس إليها، وإن كانا محمولين عليها، وإلا كانا متوسطين بينهما وبين الجنس الذي هو الحيوان، وكانا نوعين تحت الحيوان لا فصلين قاسمين؛ فقد وُجِد في الفصول فصلان يقومان نوعا مشاركا في الموضوعات، ولايوجد ذلك في الأنواع. وأما أن تكون أنواع مختلفة فتفعل باجتماعها نوعا - موضوع ذلك النوع غير موضوعاتها - فذلك غير منكر، مثل موضوعات الخمسية فإنها غير موضوعات الاثنينية والثلاثية.

وأما الفصل والخاصة فيشتركان في أنهما يحملان على ما تحتهما بالسوية. ويجب أن تعلم أن هذا إنما هو في بعض الخواص التى منها الخاصة العامة الدائمة الصورية، فإن الضاحكين ضاحكون بالسوية كما أن الناطقين ناطقون بالسوية. ويشتركان في أنهما للكل ودائما، وهذا أيضا للخاصة العامة الدائمة. وأما المباينات فلأن الخاصة الحقيقية هى لنوع واحد، والفصل قد يكون لأنواع، وقد علمتَ ما في هذا.

وأتبع ذلك مباينة هى كأنها تلك أو لازمة لتلك، فقال: إنَّ الفصل قد لا ينعكس في الحمل؛ فلا يقال كل ناطق إنسان، كما يقال كل إنسان ناطق؛ وأما الخاصة الحقيقية فتنعكس.

وأما المشاركة بين الفصل وبين العرض الغير المفارق، فدوام وجودهما لموضوعاتهما.

وأما المباينات فالأولى منها أنَّ الفصل يحوى دائما ما هو له فصل، ولا يُحْوَى ألبتة. قال الرجل: وأما الأعراض فإنها تحوي غيرها، وذلك من حيث هى عامة، وتُحْوَى أيضا من غيرها من قِبَل أنَّ الموضوع لايختص بقبول واحد منا محمولا عليه أو فيه، بل يوضع لغيره، فهو لذلك يحويه كما كان العرض يحويه؛ لأنه لايختص بالحمل على الواحد من موضوعاته، بل يعرض لغيره. وقد نسى الرجل ما قاله: (( إنّ الموضوع الواحد قد تكون له فصول كثيرة تجتمع فيه ) ). ثم الحوى كإنه لفظ مشكك غير علمى، لاينبغى أن يستعمل؛ فإنَّ مفهومَ وجه الحوى المثبِت للعرض والجنس مباينٌ للوجه المسلوب. وقد كان له وجه آخر لو قاله لكان أصوب. وهو أن العرض قد يَحوِى ويُحَوى، إذ هو من جهةِ أعم ومن جهةٍ أخص، كالأبيض فإنه كما يحمل على غير الإنسان، فكذلك الإنسان قد يحمل على غير الأبيض، فيكون لاكل إنسان أبيض؛ ولا كل أبيض إنسان، بل بعض هذا ذاك، وبعض ذاك هذا؛ ولكن هذه مباينة مع بعض الأعراض. فتأمل أنه كيف جَعَل العارض للشئ ولا يعمه خارجا من جملة العرض؛ وكان تَوَهَّم فيما سلف أنه فيه ومنه. وأما أنه كيف جعله كذلك، فلأنه جعل من شروط العرض التي بها يباين أنه يحوى النوع ويزيد عليه، اللهم إلا أن يكون أراد أنّ هذه مباينة، لا لكل عرض، بل لعرض ما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت