فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 781

ثم إن مبادئ القياسات كلها إما أن تكون أمورا مصدقا بها بوجه أو غير مصدق بها. والتي لا يصدّق بها إن لم تجر مجرى المصدّق بها بسبب تأثير يكون منها في النفس، يقوم ذلك التأثير من جهة ما مقام ما يقع به التصديق، لم يُنتفع بها في القياسات أصلا. والذي يفعل هذا الفعل هي المخيلات، فإنها تقبض النفس عن أمور وتبسطها نحو أمور، مثل ما يفعله الشيء المصدّق به، فتقوم مع التكذيب بها مقام ما يصدق به: كمن يقول للعسل إنه مرة مقيّئة فتقزز عنه النفس مع التكذيب بما قيل، كما تتقزز عنه مع التصديق به أو قريبا منه. وكما يقال إن هذا المطبوخ المسهّل هو في حكم الشراب، ويجب أن تتخيله شرابا حتى يسهل عليك شربه، فيتخيل ذلك فيسهل عليه، وذلك مع التكذيب به. فهذا الواحد هو مبدأ القياسات الشعرية. ومنافع القياسات الشعرية عند الجمهور في الأمور الجزئية قريبة من منافع القياسات المعقودة من المصدقات التي تؤلف منها قياسات في الأمور الجزئية: إذ كان الغرض في إيقاع التصديق فيها هو تقزز النفس على انقباض وانبساط، أو سكون عنهما.

وإذا كان التخيل من شأنه أن يفعل ذلك، قام مقامه على أن أكثر عوام الناس أطوع للتخيل منهم للتصديق. فهذا قسم. وأما القسم الذي فيه التصديق فإما أن يكون التصديق به على وجه ضرورة أو على وجه تسليم لا يختلج في النفس معانده، أو علة وجه ظن غالب. والذي على وجه ضرورة، فإما أن تكون ضرورته ظاهرية - وذلك بالحس أو بالتجربة أو بالتواتر - أو تكون ضرورته باطنية. والضرورة الباطنية إما أن تكون عن العقل، وإما أن تكون خارجة عن العقل ولقسوة أخرى غير العقل. فأما الذي عن العقل فإما أن تكون عن مجرد العقل، أو عن العقل مستعينا فيه بشيء. والذي عن مجرد العقل فهو الأوْلى الواجب قبوله: كقولنا الكل أعظم من الجزء. وأما الذي عن العقل مع الاستعانة بشيء: فإما أن يكون المُعين غير غريزي في العقل فيكون هذا التصديق واقعا بكسب فيكون بعد المبادئ، وكلامنا في المبادئ. وإما أن يكون المعين غريزيا في العقل أي حاضرا - وهو الذي يكون معلوما بقياس حده الأوسط موجود بالفطرة وحاضر للذهن. فكلما أُحضر المطلوب مؤلفا من حدين لأكبر وأصغر تمثل هذا الوسط بينهما للعقل من غير حاجة إلى كسبه. وهذا مثل قولنا: إن كل أربعة زوج: فإن من فهم الأربعة وفهم الزوج تمثل له أن الأربعة زوج، فإنه في الحال يتمثل أنه منقسم بمتساويين. وكذلك كلما تمثل للذهن أربعة، وتمثل الاثنان، تمثل في الحال أنها ضعفه لتمثل الحد الأوسط. وأما إذا كان بدل ذلك ستة وثلاثون أو عدد آخر، افتقر الذهن إلى طلب الأوسط. فهذا القسم الأوْلى به أن يسمى مقدمة فطرية القياس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت