فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 781

واعلم أن جميع الأوليات أيضًا مشهورة ولا ينعكس، كما أن جميع المصدّق بها متخيّل ومحرّك للخيال ولا ينعكس. وأما المصدق بها على سبيل تسليم غلط فهو أن يسلّم المسلّم شيئا على أنه أمر آخر لمشابهته إياه ومشاركته في لفظ أو معنى على ما سنبين في موضعه، وهي المقدمات المشبهة، كمن يقول"كل عين باصرة"ويكون ذلك مسلمًا له من حيث يفهم منه أحد معاني الاسم المشترك، ويأخذ بدله آخر فيحسبه أنه المسلّم، أو يقصد به مغالطة حتى يقع في أن يظن بنفسه أو يظن غيره أن الدينار يبصر. وكذلك من يسلم أن كل مسكر خمر وأخذ بدله ما يسكر بالقوة. وهذه هي المقدمات المشبّهة.

فأما المظنونات فهي التي تُظن ظنا من غير وقوع اعتقاد جزم: وبذلك إما لمشابهتها للأمور المشهورة فتكون مشهورة في بادئ الرأي الغير المتعقب؛ فإذا تعقبت علم أنها غير مشهورة مثل قولهم"أنصر أخاك ظالما أو مظلوما"فإن هذا يظن كما يقرع السمع ظنا ويمال إليه ميلا: ثم إذا تعقب كان المشهور أنه لا يجوز أن يُنصر الظالم أخا كان أو ولدا، لكنه في الحال يفعل فعله إلى أن يتعقب. وإما أن يقع بها الظن على سبيل القبول من ثقة: وإما أن يقع الظن بها من جهات أخرى ليس لأخذها على أنها مشهورات، كمن يرى عبوسا يأتيه فيظنه باطشا به. وهذه المظنونات إنما تنفع في المقاييس من حيث إن بها اعتقادا لا من حيث إن مقابلها يختلج في الضمير.

فإذن جميع المشهورات وما سلف ذكره أيضًا معها نافع حيث تنفع هي لأنها معتقدة. فأي صناعة جاز فيها استعمال المظنونات، جاز استعمال المذكورات قبلها كلها. وكذلك المشهورات إنما ينتفع بها - لا من حيث إنها قد يجوز أن يتشكك فيها - بل من حيث هي معتقدة اعتقادا لا يختلج مقابلة؛ فيكون ما قبلها من الأمور الضرورية إذا اعتقدت وسُلّمت نافعا نفعها، فيصلح استعماله حيث يصلح استعمال تلك.

وأما الضروريات الوهمية فإنها بالحرِيّ أن تكون أقوى من المشهورات - لا في النفع - بل في شدة إذعان النفس الغير المقومة لها. فربما بقيت مشهورة وربما صارت شنِعة، فتكون كاذبة وشنعة معا. وتكون صيرورتها شنعة ليست بسبب أمر يدعو إليه من الغرائز والأخلاق والمصالح، بل لما يدعو إليه العقل.

فإذن مبادئ القياسات مخيلات، ومحسوسات، ومجربات، ومتواترات، وأوليات، ومقدمات فطرية القياسات، ووهميات ومشهورات مطلقة، ومشهورات محدودة، ومسلمات، ومقبولات، ومشبهات، ومشهورات في بادئ الرأي الغير المتعقب، ومظنونات ظنا. فهي أربعة عشر صنفا.

وهاهنا قسم من مبادئ المقاييس وهي التي ليست مبادئ من جهة القائس نفسه، فإن أقسام الذي يكون من جهة القائس هو ما قلناه، ولكن هي مبادئ من جهة المعلم، وهي أن يكلّف المعلّم المتعلم تسليم شيء ووضعه ليبنى عليه بيان شيء آخر فيسلمه ويضعه. وهذه هي الأمور التي تسمى أصولا موضوعة ومصادرات.

وفي ذلك بيان أصناف مبادئ العلوم وأصناف الحدود الوسطى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت