فهرس الكتاب
وأما الذي فيه تركيب ما وتفصيل مثل عنز أيّل أو عنقاء وإنسان يطير فإنما يتصور أولا تفاصيله التي هي غير محالة، ثم يتصور لتلك التفاصيل اقتران ما على قياس الاقتران الموجود في تفاصيل الأشياء الموجودة المركبة الذوات. فيكون هناك أشياء ثلاثة اثنان منها جزءان كل بانفراد موجود، والثالث تأليف بينهما، هو من جهة ما هو تأليف متصور، بسبب أن التأليف من جهة ما هو تأليف من جملة ما يوجد. فعلى هذا النحو يعطى معنى دلالة اسم المعدوم فيكون المعدوم إنما تصور متقدم للموجودات.
ونقول الآن إنه إذا كان حصل عندنا حكم على كلي أول حصوله:إما بيّنا بنفسه مثل إن كل إنسان حيوان، والكل أعظم من الجزء، أو بيّنا باستقراء أو تجربة على الوجوه التي يُصدّق بها بالأشياء من غير استعانة بقياس، فقد علمنا بالقوة الحكم على كل جزئي تحته، ولكن جهلناه بالفعل. فلا نعرف مثلا أن زيدا الذي بالهند حيوان: لأنا إنما عرفناه بعد بالقوة إذ عرفنا أن كل إنسان حيوان، وإنما جهلناه بالفعل لأنه يحتاج أن يجتمع لنا إلى هذا العلم علم آخر أو علمان آخران حتى يخرج الذي بالقوة إلى الفعل. وذلك بأنه يجب أن نعلم أن زيدا موجود، وأن نعلم أنه موجود إنسانا. فإذا حصل لنا بالحس معرفة أنه موجود وأنه إنسان من غير أن يكون مطلوبا أو متعلما، واقترن بذلك علم، كان عندنا حاصلا أيضًا بغير قياس، اقترانا على التأليف الذي من شأنه أن يُحدث بالذات علما ثالثا، علمنا أن زيدا حيوان. فيكون عن معرفة وعن علم اجتمعا حدث لنا علم. أما المعرفة منهما فهو ما كان من الحس، وأما العلم فما كان من العقل. والمعرفة حدثت في الحال، وأما العلم فقد كان قبلها. والذي يحصل منهما فقد يجوز أن يكون قد كان لنا مطلوبا وطلبنا مبادئه الموصلة إليه، ويجوز أن يكون شيئا قد انسقنا إليه انسياقا لموافاة أسبابه عن غير طلب. ومع ذلك فيجب أن يتقدم تصور المطلوب ومبادئه على كل حال.
وقد يتفق ألا يكون هكذا: بل يكون الحكم على الكلى حاصلا عندنا بقياس، والحكم على الجزئي حاصلا بقياس آخر. فإذا اجتمعا حصل العلم الثالث. ولكن وإن كان كذلك فإن القياسات الأولى تكون من مقدمات بيّنة بنفسها أو مكتسبة بالاستقراء والتجربة والحس من غير قياس على ما نوضّح بعد.
ثم إن لسائل أن يسأل أحدا فيقول: هل تعلم أن كل اثنين زوج؟ ومعلوم أن جوابه إني أعلم ذلك. فيعود ويقول: هل الذي في يدي هو زوج أو فرد؟ وعدد الناس الذي بمدينة كذا زوج هذا أو فرد. فإن أجيب بأنا لا نعلم ذلك، عاد فقال: فلستم تعرفون أن كل اثنين عدد زوج، فإن هذا الذي في يدي اثنان ولم تعرفوا أنه زوج. وقد قيل في التعليم إن قوما أجابوا عن هذا بجواب غير مستقيم فقالوا: نحن إنما نعرف أن كل اثنين عرفناه فهو زوج. وهذا الجواب فاسد: فإنا نعرف أن كل اثنين موجود عرف أو لم يعرف، فهو زوج. بل الجواب عن هذا: أنا لم تقل إنا نعرف كل اثنين زوج، فإذا لم نعرف اثنين زوجا ينتقض قولنا. وأيضا لم تقل إنا نعرف من كل شيء هو اثنان أنه اثنان فنعرف أنه زوج. بل قلنا أحد قولين: إما (92 ب) أن كل اثنين عرفناه فإنا نعرف أنه زوج، أو كل اثنين في نفسه - عرفناه أو لم نعرفه - فهو في نفسه زوج. أما القسم الأول فلا ينتقض بالشبهة التي أوردت. وأما الوجه الثاني فهو معرفة عامية لا يناقضه الجهل الخاصتي: لأنا وإن لم نعلم أن الذي في يد فلان زوج أو ليس بزوج فعلُمنا أن كل اثنين فهو في نفسه زوج، ثابت معناه غير باطل. وأما ما جهلناه فإنه داخل في علمنا بالقوة لا بالفعل. فالجهل به لا يكون جهلا بالفعل بما عندنا. وإذا حصل عندنا أن الذي في يده اثنان، وتذكرنا المعلوم الذي كان عندنا، عرفنا في الحال أن الذي في زوج. فإذن مجهولنا غير معلومنا. وليس إذا لم نعرف أن شيئا ما هو زوج أم لا - لأنا لا نعرف أنه اثنان أم لا - يبطل ذلك أن نعلم أن كل ما هو اثنان فهو زوج، فنكون قد علمنا أيضًا أن ذلك زوج من وجه، فبهذا يزول ذلك الشك.