فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 781

فإن شوشك هذا الفصل فدعه فلا كبير جدوى فيه. واعلم لما سمع ما قيل في التعليم الأول حيث قيل ما قيل:"فجميع التي يأخذها وهي مقبولة من حيث لم يبينها، إن كان أخذه لما هو مظنون عند المتعلم فإنما يضعها وضعا، وهي أصل موضوع: أعني الوضع لا على الإطلاق لكنها عند ذلك فقط. فأما أن هو أخذه من حيث ليس له فيه بعينه ولا ظن واحد، أومن حيث ظنه على ضد، فإنما يصادر عليه مصادرة"، وهذا هو الفرق المذكور في التعليم الأول بين المصادرة وبين الأصل الموضوع، وذلك أن المصادرة هو ما كان مقابلا لظن المتعلم، وهو هذا الذي يأخذه الإنسان وهو متبرهن ويستعمله من حيث لم يبينه، ظنوا أن الأصل الموضوع هو الذي يتبين بأدنى تأمل، وأن المصادرة ما لا يتبين بأدنى تأمل؛ بل كأن الأصل الموضوع هو الذي يحضر المتعلم حقيقته إذا فكر أدنى فكر، وأن المصادرة هو ما لا سبيل له إلى ذلك: وليس الأمر كذلك. فإن الذي يتبين بأدنى تأمل إما أن يكون التأمل هو الاستكشاف لمفهوم اللفظ على سبيل التنبيه: وهو أن يكون الشيء حقه أن يعلم ثم يذهب عنه المتعلم ولا يتبينه لنوع من الغفلة عن مفهوم اللفظ. وإما أن يكون التأمل هو الاستكشاف لحال القول في صدقه لا في فهمه. فأما الاستكشاف للتصور فليس إنما يعرض في القسم الذي هو الأصل الموضوع، بل قد يقع أيضًا في الأوائل الحقيقية؛ فإنها ربما ذهب عنها وأغفلت حتى أنكرت فيحتاج أن ينبه المتعلم. فأما التأمل للتصديق فالتصديق بالمجهول لا يتضح إلا بالوسط، فيكون هذا الاستكشاف هو ابتغاء الحد الأوسط هو ابتغاء الحد الأوسط في موضع بنوع يسهل على المتعلم إدراكه. فيشبه أن تكون المطالب والمسائل القليلة الأوساط أصولا موضوعة. فإن كان كذلك صار كثير من المسائل السهلة التي في الهندسة التي لها بأدنى تأمل، من جملة الأصول الموضوعة: وهذا محال. بل الأصول الموضوعة هي المقدمات المجهولة في أنفسها التي من حقها أن تبين في صناعة أخرى إذ كان المتعلم قد قبلها وظنها بحسن ظنه بالمعلم وثقته بأن ما يراه من ذلك صدق.

والمصادرة ما كان كذلك، لكن المتعلم يظن ما يراه المعلم ظن مقابلة، أو لم يظن شيئا. والمؤكد بالجملة فيه أن يكون عند المتعلم ظن يقابله. بل الأشبه أن تكون المصادرة هي ما تكلّف المتعلم تسليمه وإن لم يظنه، كان من المبادئ أو كان من المسائل في ذلك العلم بعينه: لمسائل التي تتبين بعد فيستسمح بتسليمها في درجة متقدمة. فيكون المبدأ الواحد الذي ليس أبينا بنفسه أصلا موضوعا باعتبار، ومصادرة باعتبار.

وقد يكون مثل ذلك الاعتبار في غير المبدأ للصناعة، بل في مبدأ لبعض مسائل الصناعة إذا كان يتبين في الصناعة. فيقال لذلك المبدأ"مصادرة".

وبالحرى أن يكون ما وضع في كتاب أو قليدس وهو التقاء خطين في جهة الناقص عن قائمتين"مصادرة"إذ كان الأوسط لا يكون هناك إلا من صناعة الهندسة. والعجب ممن ظن أن الأصل الموضوع يكون كقولهم في الهندسة"إن الخطوط الخارجة من المركز إلى المحيط متساوية": فإن هذا قد يشكل قليلا، ولا يشكل أن المساوية لواحد متساوية. ثم يكون هذا الإشكال مما يقع بيانه بأدنى تأمل: قال وذلك بفركار يعرف به المتعلم ذلك فيقبله. ولعمري إن هذا الغافل لو قال إن تفهم هذه القضية على سبيل التصور قد ينتفع فيه بالفركار، لكان له معنى. وأما على سبيل التصديق فكيف يمكن ذلك؟ فإنه إذا سمع المتعلم أن الدائرة بها شكل خطوط مركزه كذا وسلّمه وحده، لم يمكنه أن يضع دائرة وخطوط مركزها لا كذا: فيكون وضع دائرة ليست دائرة. وهذا لا يمكنه أن يشك فيه بعد فرض وضع دائرة؛ ويكون هذا بين اللزوم من فرض الدائرة. بل الذي يجب أن يشكل عليه هو أنه هل هذا المسمى دائرة له وجود أم ليس له وجود؟ فإن بلغ إلى ان أشكل عليه حال هذه الخطوط بعد أن سمع حد الدائرة وفرض أن لها وجودا فالفركار كيف يصحح الأمر العقلي في الهندسة؟ ولو كان فركار عقلي لعز ذلك فيه فضلا عن الحسي! فكيف يمكن أن يدل بفركار جزئي عقلي أو حسي إلا أن خطوطا محدودة هي متساوية؟ وكيف يلزم من ذلك أن كل خط مما لا نهاية له في القوة كذلك لزوما ضروريا؟ فإن شك المتعلم في وجود الدائرة شك في ذلك مع كل فركار يفرضه. وأن سلم وجود الدائرة لم يمكنه - وقد حدّها - أن يشك في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت