فهرس الكتاب
والقانون في تمييز الأمرين أن نمتحن ونأخذ طبيعة الجنس مخصوصة: مثل قولك عدد ما أو جسم ما. فإن أمكن أن يكون ذلك صالحا لأن يعرض له الأمران في حالين، فعروضهما أولي، وعند هذا الامتحان يكون جسما ما يصلح لأن يتحرك وأن يسكن. ولا تجد عددا ما يصلح لأن يكون زوجا وان يكون فردا. فإن طبيعة الجسمية كافية لأن نتصورها وقد عرض لها المران قبل أن نلتفت إلى لحوق فصل بها. وليس طبيعة العدد كافية في ان نتصورها قد عرض لها واحد من الأمرين ما لم ينضم إليها في الذهن فصل إذا ألحقته بها تبين لك حينئذ أن يلحقها ذلك العارض.
وقد يكون من أنحاء القسمة للجنس ما ليس بمستوفاة ولا أول له، بل هو أول لما فوقه، كقولك كل عدد إما زائد وإما ناقص وإما مساوٍ، أو لما تحته كقولك كل كم إما زوج أو فرد.
ونقول أيضًا إن القسمة التي تكون أولية للجنس من حيث القسمة، وتكون الأعراض كل واحد منها أوليا وخاصا بنوعه كقولنا كل مثلث إما أن تكون زاوية منه مساوية للباقيتين أو زاوية منه أعظم من الباقيتين مجموعتين، وإما أن تكون كل زاويتين منه مجموعتين أعظم من الثالثة. فالأول عارض خاص بالمثلث القائم الزاوية، والثاني عارض خاص بمنفرج الزاوية، والثالث عارض خاص بحاد الزاوية. وإما أن يكون كل واحد منها أوليا وغير خاص مثل قولنا: كل عدد إما زوج وإما فرد، وكل حيوان إما مشاء وإما سابح وإما طائر وإما زاحف. فإن كل واحد منها وإن كان أوليا لنوع ما فلا يكون خاصا به، وإما أن يكون بعضها أوليا خاصا وبعضها غير خاص مثل قولنا: كل حيوان إما ضاحك وإما غير ضاحك: فالضاحك أولي خاص، وغير الضاحك أولي غير خاص.
ونقول إن السبب في انه لم قيل إن الزوج والفرد عارضان للعدد وليسا بنوعين أو فصلين مقسّمين، ظاهر: وهو أن النوع من العدد يعرف مبلغه وهو كمال حقيقته وماهيته، ويعرف ما معنى الزوج والفرد، ولا يعرف له الزوج والفرد إلا بنظر أنه هل ينقسم بمتساويين أو ليس ينقسم. وتكون نوعيته، وهي مبلغه، لا تقتضي أن يكون بيّنا له الانقسام بمتساويين ومقابله.
والزوج والفرد لا يخلو إما أن يكون كل واحد منهما جنسا لذلك النوع من العدد أو فصل جنس أو فصلا خاصا. أو يكون نفس النوع، وقد علم نفس ذلك النوع، فكيف يمكن أن يكون عارضا لازما له؛ وكيف يمكن أن بكون فصلا خاصا له؟ وقد توجد الزوجية لنوع آخر وكذلك الفردية.
وكيف يكون جنسا أو فصل جنس أو شيئا من الذاتيات على الإطلاق (100 أ) ؟ وقد يجوز أن يفهم معناه ومعنى ذلك العدد ولا يفهم ذلك له، وكانت الذاتيات ليست المحمولات التي تلزم في كل وقت، بل التي لا يمكن أن يرفع معناها عما هو ذاتي له مثل معنى العدد: فإنه لا يمكن أن يعقل ما العدد ويجهل أن الأربعة عدد حتى يتأمل ويستبان، اللهم إلا أن لا يكون معنى العدد مفهوما ولا يكون أُحضر في الذهن مع معنى الأربعة. ونحن قد علمنا ما معنى الزوج والفرد. فإذا أحضرنا معناه ومعنى عدد ما مثل ألف وخمسمائة، أمكن أن نشك فلا ندري في أول وهلة أنه زوج أو فرد حتى نستبين ونتأمل حال الانقسام بنصفين أو مقابله بنوع فكر ونظر. فإن كان عدد ما يُعرف ذلك فيه بسرعة أو كأنه في أول وهلة مثل الأربعة والثمانية، فإنا إنما نحكم بسرعة أنه زوج لا لأجل أنه ذاتي للأربعة والثمانية - ولكن لأنه قليل، فيلوح لنا أنه منتصف عن قريب. ولو كان لا يلوح ذلك لكان يتوقف إلى أن يستثبت.فإن ليس بيان كون الأربعة زوجا لذاته، بل لظهور عارض آخر عرفناه له وهو التنصف.
وهاهنا وجوه أخر يعرف بها أن الزوج عارض لا ذاتي لأصناف العدد لا يحتاج إلى التطويل بها. فإذا كان الزوج والفرد عارضين لأصناف العدد وليسا بفصول ذاتية ولا أجناس، ولا يمكن أن يكونا نوعين للعدد ولا فصلين مقسّمين - لأن الفصل المقسّم للجنس هو بعينه الفصل المقوّم للنوع - فبقى أن يكون كل واحد منهما عرضا عاما بالقياس إلى نوع نوع من العدد وغيره، وعرضنا خاصا بالقياس إلى العدد.