فهرس الكتاب
فهذا وجه وقوع سبب هذا الخلط من قبل الضرورة؛ وأما كيفية وقوعه من جهة الغلط: وذلك أن ينظر الإنسان أول نظرة في آحاد معنى عام كمثلث مثلث من أنواع المثلث العام من غير أن يحس كيفية الوجه في استيفائها كلها، فإن كان استوفاها كلها لم يحس باستيفائها كلها، فيبيّن في كل واحد منها ببرهان عام أو برهان خاص لكل واحد. وله أن يبتدئ فيبيّن ذلك في المثلث المطلق لأنه له أولا، إلا أن الغلط زاغ به عنه وخص ابتداء نظره بالجزئيات. فحينئذ كيف يمكنه ان ينتقل إلى المثلث المطلق إلا أن يعمل على الاستقراء المغالطي، وهو أن ينتقل الحكم من جزئيات غير مستوفاة - أو غير متحقق استيفاؤها - إلى الكلى. فإن هذا ليس مغالطة في الجدل، وهو مغالطة في البرهان: لأنه لا يلزم من وجود أي حكم كان في جزئيات شيء لم يشعر باستيفائها يقينا أن نحكم بالحكم اليقين على الكل. وأما الحكم الإقناعي الشبيه باليقين، فقد يجوز أن يحكم به. ولذلك ليس هذا مغالطة في الجدل وهو مغالطة في البرهان: لأن هذا الناظر في الجزئيات من المثلثات كيف يتنبّه للشيء الذي هو المثلث المطلق ما لم يكن تيقن استيفاء الأقسام التّيقّن الذي و كان حصل له كان له بعد أن ينقل الحكم إلى المثلث المطلق الذي الحكم له أولى وعليه كلى؟ وإذا لم يتنبه لذلك، حسِب أن الحكم أولّى لتلك الجزئيات، وظن الحكم على كل صنف منها كليا بطريق هذا الكتاب. ومن أراد ألا يضل في معرفة الحكم أولّى،فيجب إذا كان الحكم مقارنا لمعان مختلفة أن يمتحن أولية الحكم بأن يرفع جملة المعان إلا واحدا منها؛ ويبدل ذلك الواحد دائما: فما إذا أُثبت وبطلت البواقي؛ ثبت الحكم، وإذا ارتفع وإن بقيت البواقي - لو أمكن ذلك - ارتفع الحكم. فالحكم له أولا. مثال هذا مثلث متساوي الساقين من نحاس؛ وهو أيضًا شكل. فإذا رفعت تساوى الساقين وكونه من نحاس؛ وأثبن المثلث؛ وجدت كون ثلاث زوايا منه كقائمتين ثابتا. ولو أمكن أن يرفع معنى الشكل ويبقى المثلث، كان الحكم ثابتا. ولكن إنما لا يبقى لأن المثلث لا يبقى. ثم إذا رفعت المثلث وبقى الشكل، لم يبق هذا الحكم. فمن جانب تساوي الساقين وكونه من نحاس، تجد الحكم ثابتا مع رفع الأمرين وإثبات المثلث، ومن جانب الشكل؛ تجد الحكم مرتفعا مع وضع الأمرين ورفع المثلث. فيجتمع من الامتحانين أن الحكم كلى للمثلث لا غير.
ثم إن مقدمات البرهان يجب أن تكون ضرورية، وذلك إذا كانت على مطلوبات ضرورية. قيل: لأن ما يكتسب بوسط ما يجوز أن يتغير لا يكون ثابتا لا يتغير. بل النتيجة الضرورية تلزم من مقدمات ضرورية لا يقع فيها إمكان تغير.
والأمور الضرورية على وجهين: أمور ضرورية في اللزوم من غير أن يكون بعضها لبعض ضروريا في الجوهر والطبيعة، وهذه لوازم خارجة. وقد أوضحنا قبل أنها لا تنفع في كسب العلم اليقيني، وضرورية في الجوهر والطبيعة، وهي الأمور الموجودة بذاتها.
أما الداخلة في حد الموضوع فهي ضرورية للموضوع ف جوهره. وأما التي الموضوع داخل في حدها، فالموضوع لها ضروري في الجوهر، وهي ضرورية للموضوع في اللزوم أيضًا: إما على الإطلاق وإما على المقابلة. والتي على المقابلة، فالمأخوذ منها في البرهان ما كان ضروري اللزوم للنوع الواحد. فإن كان مما يوجد ولا يوجد في موضوع واحد بالنوع، فليس داخلا في البرهان على الأمر الضروري من حيث ما هو ضروري.
وأما كيف نرتب هذه ليكون منها العلم اليقين فنقوله بعد.
قالوا: وكل قول يُنتج به أمر ضروري وليس ضروريا فإن للمعاند أن يقول إن الملزوم الذي وضعته ليس دائم الوجود، فما يلزمه ليس بدائم الوجود، إذ لا يجب أن يكون دائم الوجود. فإن كان إبطال النتيجة المدعاة أنها ضرورية يكون بهذه السبيل، فإن استحكام قوة اليقين والضرورة فيها هو بألا يكون فيها هذا المطعن.