فهرس الكتاب
فقد بان أن الأصول الموضوعة مصدق بها، وعلل للتصديق بالنتيجة والمطلوب، ولا كذلك الحد.
وأيضًا فإن كل أصل موضوع فهو محصور: كلى أو جزئي. ليس شيء من الحدود بمحصور كلى ولا جزئي. فليس شيء من الأصول الموضوعة بحدود. على أنه لا حاجة إلى هذا البيان بعد ما قيل.
ولأن قوما حسبوا أن موضوعات العلوم هي صور مفارقة، لكل نوع منها مثال يشبهه قائم بذاته عقلي موجود لا في مادة، فبالحرى أن يقع الشك وحله في جملة ما يتعلق بالبرهان. ويجب أن نذكر أولا السبب )105 أ( الذي حمل أولئك على هذا الظن فنقول: إنما وقع أولئك القوم في هذا الظن من جهة قياس قاسوه فقالوا إن هذه العلوم كلها إنما تنظر في موجودات ما، فالمعدومات لا فائدة في النظر فيها. ثم الموجودات إما واقعة تحت الفساد والتغير، وإما دائمة الوجود غير متغيرة. وأيضًا إما محسوسة، وإما معقولة. والفاسدات لا برهان عليها ولا حد لها. والمحسوسات ليست أيضًا مبرهنا عليها ولا محدودة من جهة ما هي محسوسة وشخصية، بل من جهة طبيعية عقلية أخرى. فالبرهان ليس يقوم على الشمس من جهة ما هي هذه الشمس، بل من جهة ما أنها مجردة من سائر العوارض اللاحقة لها والشخصية العارضة لها. وكذلك الحد ليس لها من جهة ما هي هذه الشمس.
فإذا كان كذلك، كان البرهان على صور معقولة مجردة عن المادة، لئلا تكون محسوسة ولا قابلة للفساد.
وكذلك الحد. فبعضهم وضع ذلك للعدديات فقط، وبعضهم للعدديات والصور الهندسية، وبالجملة للصور التعاليمية دون الطبيعية ورقى إليها الطبيعية.
وكان مأخذ هؤلاء في الاحتجاج شيئا آخر: وهو أن هذه مستغنية عن المادة في الحد، وكذلك في الوجود. وقالوا: وإما ما يضعه الرياضي من خط وشكل محسوس فهو كاذب فيه. والخط والشكل الحقيقي عقلي وعليه البرهان.
وقوم ألفوا الهندسيات من العدديات، وجعلوا العدديات مبدأ الهندسيات. وأما أفلاطن فجعل الصور المعقولة المفارقة موجودة لكل معقول حتى للطبيعيات فسماها إذا كانت مجردة مُثُلا، وإذا اقترنت بالمادة صورا طبيعية. وجميع هذا باطل، فغن الصور الطبيعية لا تكون هي هي إذا جردت عن المادة، والصور التعليمية لا تقوم بلا مادة وإن كانت تحد لا بالمادة، والكلام في إبطال هذه الآراء والقياسات الداعية إليها غنما هو في صناعة الفلسفة الأولى دون المنطق وعلوم أخرى، بل يحسن في المنطق بوجه من الوجوه أن يبين أن هذه وإن فرضت موجودة فلا مدخل لها في علم البرهان ولا هي موضوعة لهذه البراهين التي نحن في تعليمها: لأن هذه البراهين وإن كانت بالذات وأولا لأمور عقلية كلية، فإنها ثانيا وبالعرض للمحسوسات والفاسدات. فإن كل حكم يصح على الشمس المطلقة يصح على هذه الشمس، وكل حكم يصح على الغب على الإطلاق فيصح على هذا الغب. وإذا صح أن كل إنسان حيوان، صح على إنسان ما أنه حيوان.
والبرهان إنما لابد من ان يكون فيه قول كلى ليكون شاملا للكثرة بأن يعطى اسمه وحده للكثرة الجزئية. ويمكن أن يجعل الكلى فيه المحكوم عليه بالحكم الكلى حدا أوسط موجبا على الكثرة بالاسم والحد. فما حكم عليه حكم على الكثرة. وأما الصور فإنها إن كانت موجودة فلا يجب أن يكون الحكم عليها حكما على الكثرة من الجزئيات الشخصية، ولا يمكن أن تكون حدودا وسطى في إثبات شيء على الكثرة من الجزئيات الشخصية، وذلك لأن المثل وإن أنزلنا أنها تعطى الكثرة أسماءها، فلا يمكننا أن نقول إنها تعطيها حدودها: لأنه ليس شيء من الجزئيات صورة عقلية مفارقة أبدية - وهذا هو الحد الجامع للصور المفارقة. وكيف يمكن أن تكون طبيعة الإنسان المحسوس تحمل عليها طبيعة الإنسان المثالي، وهذا الإنسان حيوان ناطق مائت، وذلك لا حيوان ولا ناطق إلا باشتراك الاسم، ولا مائت. وكيف يقال لشيء من هذه إنها تلك كما يقال إنها حيوان؟