فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 781

بل نقول إن تصديق المعقولات يكتسب بالحس على وجوده أربعة: أحدهما بالعرض والثاني بالقياس الجزئي بالاستقراء )109أ( والرابع بالتجربة. أما الكائن بالعرض فهو أن يكتسب من الحس، بالوجه الذي قلنا، المعاني المفردة المعقولة مجردة عن الاختلاط الحسي والخيالي، ثم يقبل العقل على تفصيل بعضها عن بعض وتركيب بعضها مع بعض. ويتبع ذلك أحكام العقل بالفطرة في بعضها ويتوقف في بعضها إلى البرهان. أما القسم الأول من هذين فيكون باتصال من العقل بنور من الصانع مفاض على النفس والطبيعة يسمى العقل الفعال، وهو المخرج للعقل بالقوة إلى الفعل ولكنه وإن كان كذلك، فغن الحس مبدأ ما له بالعرض لا بالذات.

وأما القسم الثاني منهما فيفزع فيه إلى الحد الأوسط، فإذا حصل الحد الأوسط اكتسب المعقول المصدق به اكتساب الأوليات بعينها وبقوة ذلك المبدأ. فهو وجه من الأربعة.

وأما الكائن بالقياس الجزئي فأن يكون عن العقل حكم ما كلى على الجنس فيحس أشخاص نوع لذلك الجنس، فيتصور عنه الصورة النوعية، ويحمل ذلك على النوع فيكتسب معقولا لم يكن.

وأما الكائن بالاستقراء فإن كثيرا من الأوليات لا تكون قد تبينت للعقل بالطريق المذكور أولا. فإذا استقرأ جزئياته تنبه العقل على اعتقاد الكلى من غير أن يكون الاستقراء الحسي الجزئي موجبا لاعتقاد كل البتة، بل منبها عليه. مثل أن المماسين لشيء واحد وهما غير متماسين يوجبان قسمة لذلك الشيء. فهذا ربما لا يكون ثابتا مذكورا في النفس. فكما يحس بجزئياته يتنبه له العقل ويعتقده.

وأما الكائن بالتجربة فكأنه مخلوط من قياس واستقراء؛ وهو آكد من الاستقراء. وليس إفادته في الأوليات الصرفة بل بمكتسبات الحس. وليس كالاستقراء، فإن الاستقراء لا يوقع من جهة التقاط الجزئيات علما كليا يقينيا وإن كان قد يكون منبها. وأما التجربة فتوقع؛ بل التجربة مثل أن يرى الرائي ويحس الحاس أشياء من نوع يتبعها حدوث فعل أو انفعال. فإذا تكرر ذلك كثيرا جدا حكم العقل أن هذا ذاتي لهذا الشيء وليس اتفاقيا عنه، فغن الاتفاق لا يدوم. وهذا مثل حكمنا أن حجر المغناطيس يجذب الحديد وأن السقمونيا تسهل الصفراء. ومن هذا الباب أن يكون شيء يتغير من حاله بالطبع لاقتران شيء آخر معه ووصوله إليه ولا يمكن عند العقل أن يكون تغيره بذاته، فيحكم أن السبب هو الواصل إليه، وخصوصا إذا تكرر.

فهذه الأنواع تفيدنا بالحس علوما كثيرة. ومبادئ العلوم كثيرة، والتجربة منها، فإن فيها اختلاط استقراء حسي بقياس عقلي مبني على اختلاف ما بالذات وما بالعرض، وإن الذي بالعرض لا يدوم. وقد أشرنا إلى بيان هذا فيما سلف.

فهذه هي الأنحاء التي لاستفادة العقل علما تصديقيا بسبب من الحس بحسب ما حضرنا الآن. وقد ذكرنا نوعا من استفادة التصوير بسببه.

فإذن كل فاقد حس ما فإنه لعلم ما وإن لم يكون الحس علما.

ولما كان كل قياس مؤلفا من حدود ثلاثة: أما الموجب منه فإنما يبين أن شيئا ما موجود لثان لأنه موجود لثالث موجود للثاني. وأما السالب فيبين أن شيئا غير موجود لثان لأنه غير موجود لثالث موجود للثاني.

وكذلك القياس على كل واحد من نسبة ما بين حدين حدين. إن كانت محتاجة إلى وسط ومشكلة غريبة، فلابد من أن تنتهي إلى مبادئ وأصول موضوعة موجبة أو سالبة لا محالة لا وسط لها على الإطلاق، أو في ذلك العلم. والمبرهن يأخذ المقدمات الأولى على أنها لا وسط لها، على أحد الوجهين المذكورين، وينحل آخره إلى مالا وسط له مطلقا وإن لم يكن في ذلك العلم.

والذين يقيسون: إما على الظن - وهم الخطابيون - أو على الرأي المشهور - وهم الجدليون - فليس يجب أن تنتهي تحليل قياسهم الى مقدمات غير ذوات وسط في الحقيقة. بل إذا انتهيت إلى المشهورات التي يراها الجمهور، أو المقبولات التي يراها فريق، كان القياس قياسا في بابه، وإن كانت المقدمات الأولى ليست ذوات وسط، بل لها وسط ما مثل أن العدل جميل والظلم قبيح، فإنه مأخوذ في الجدل على أنه لا وسط له. وفي العلوم يطلب لذلك وسط. وربما طلب أيضًا في الجدل على نحو ما يخاطب به سقراط تراسوما خوس.

وربما كان المشهور لا وسط له - لا لأنه بيّن بنفسه وفي حقيقته - بل لنه كاذب مثل أن اللذة خير وسعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت