وإذا كان كذلك فإن الطرف الذي هو الموضوع الحقيقي حد ونهاية. والمحمولات الداخلة فيما هو الشيء، محدودة متناهية من الجناس والفصول: إذ بينا أن الذهن لا يمكن أن يقطع أمورا بلا نهاية لتحديد شيء واحد. والتحديد موجود. والمحمولات العارضة، لها طرف من جهة الموضوع - وهو الجوهر - وطرف من جهة المحمولات - وهو المقولات العشر: لأن كل واحد منها إما كيف وإما كم وإما مضاف وإما غير ذلك. فما بين الطرفين محدود على ما أوضحنا قبل.
وأيضًا فإن المحمولات من جملتها داخلة في حدودها - أعني حدود المحدودات الجزئية منها، الموجودة في الموضوع، وإن لم تكن داخلة في حدود موضوعاتها من الجوهر. والداخلات في حدود الشيء متناهية. فإذن جميع المحمولات متناهية، سواء كانت داخلة في حدود الجواهر، أو كانت أعراضا ذاتية، أو أعراضا غريبة.
فقد استبان من هذه الجهة أيضًا تناهى الأوساط. وهذه الجهة هي جهة اعتبار التصور والحد. فقد بان واتضح أن هاهنا مقدمات أولى، وأن محمولات وموضوعات بلا واسطة، وأنها جارية على الولاء. والأشياء التي تعلم بالبرهان لا يمكن أن تعلم بوجه آخر أشرف منه. وكل علم برهاني فإنما يكون بعلم أقدم منه. فإن ذهب ذلك إلى غير النهاية ارتفع العلم البرهاني أصلا. وأما إن وقف عند مقدمات لا أوساط لها، فأحسن ما تأوّل عليه ذلك أن يكون الوقوف عند أصول موضوعة. والوقوف عند أصول موضوعة - إن كانت تلك الأصول لا تتبرهن في علم آخر - وقوف غير برهاني.
فيجب إذن إن كان وقوف على أصول موضوعة أن يكون لها وقتا ما بيان برهاني. وفي آخر الأمر يجب أن ينتهي البحث إلى مقدمات لا أوساط لها، وإلا لم يمكن برهان ولا علم برهاني.
فلم يكن احتجاج الخصوم في إمكان وجود أوساط لانهاية لها برهانيا يلتفت إليه.
ولما كان البرهان إنما يؤخذ من جهة الأشياء الموجودة للموضوع بذاتها - إما داخلة في حد الموضوع أو الموضوع داخل في حدها: مثال الأول الكم والكثرة للعدد - وقد بان أن هذا القسم متناه - ومثال الثاني الفرد للعدد - وهذا أيضا لا يجوز أن يذهب إلى غير النهاية حتى يكون للفرد شئ مثل ما للعدد، ولذلك الشيء شئ آخر: وذلك لأن قوام جميع ذلك مع الفرد يكون في العدد، ويكون العدد مع الفرد مأخوذ في حدودها. فإن ذهبت تلك إلى غير النهاية ذهب أيضا معها ما يؤخذ في حدودها إلى غير النهاية، لأن لكل محمول منها موضوعا من هذه التي تؤخذ في حدودها؛وكل سابق داخل مع المسبوق حد المحمول. فتكون موضوعات بغير نهاية متتالية كلها تؤخذ في الحدود.وقد بان استحالة هذا. فإنه لما كانت الموضوعات المأخوذة في حدود محمولاتها لا تذهب إلى غير نهاية، فكذلك المحمولات التي تساويها في العدد.
على أن لقائل أن يقول.إنما بان استحالة ذلك في أشياء غير متناهية تؤخذ في حد شئ واحد، وهاهنا لا يكون المأخوذ في حد شئ واحد منها إلا لجملة متناهية من تلك الغير المتناهية، هي ما بين الطرفين، وذلك الواحد وما بين الطرفين كل واحد - متناه.
فيقال له. قد جُعِلَ هاهنا لغير المتناهي من الموضوعات حصول بالفعل، والفعل يشتمل على الجميع من غير أن يبقى شئ خارجا منه هو بعدُ بالقوة. وكل واحد والكل والجميع موجود في حد واحد.لأن كل سابق مأخوذ في حد ما يؤخذ فيه المسبوق. أعنى بالسابق القريب من الطرف، ويكون شئ خارج عنه هو مأخوذ من حده. فيجب أن يكون لما حصل في الوجود من الموضوعات محمول خارج عنها، لكن لبس شئ خارج عنها، بل كل محمول يوجد فيؤخذ على أنه من جملتها. هذا محال.
ثم كيف يمكن أن تكون أمور بلا نهاية هي معا في جنس واحد، بل في شئ واحد بالعدد لها ترتيب؟ فإن الفرد وما يتبعه من اللواحق الغير المتناهية إنما توجد كلها لا محالة في شئ من أنواع العدد. وكلما صعد المحمولات انتقص عددها. والعدد المتضمن للترتيب فإنه في النقصان متناه إلى الوحدة.
فقد بان إذن أنه لا الموضوعات المأخوذة في حدود المحمولات، ولا المحمولات المأخوذة في حدود الموضوعات، ذاهبة إلى غير النهاية. فقد بان من جميع هذا أن للبراهين مبادئ ذوات أوساط، وبان أنها لا برهان عليها، وأنها مقدمات غير منقسمة، وحين بانَ أن الحمل من فوق ومن أسفل واقف، وأن هناك حملا أولا على الشيء.