فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 781

وأيضًا لظان أن يظن أن الجزئي أفضل من جهة أخرى، لأن الموجودات هي هذه الجزئيات، والكلى إما أمر غير موجود، بل موهوم فقط، وإما أمر موجود فيها، قائم بها. فغن كان غير موجود فما برهن به عليه إنما برهن على غير موجود فيها. والبرهان على الموجود أفضل منه على غير الموجود. وإن كان موجودا لكنه قائم فيها غير خارج عنها.

ثم البرهان على الكلى يجعله كأنه شيء مفارق بالذات للجزئيات وخارج عنها، فيجعل المثلث شيئا غير هذا المثلث وذاك المثلث، والعدد شيئا غير هذا العدد وذاك العدد. وما أوجب تحريف الحق فهو محرف عن الحق. فإذن البرهان على الكلى إما أن يقع على معدوم، وإما على محرف الوجود عن حقيقته، فالبرهان على الجزئي إذن أفضل.

وأيضًا فإن البيان الكلى شديد التعرض للغلط بسبب أن مستعمليه يكونون كالمبرهنين على غير المطلوبات. مثلا إذا برهن مبرهن على أن الكليات المتناسبة إذا بدلت تكون متناسبة، فلا يكون قد برهن بالذات قد برهن بالذات على خط أو سطح، بل على ما ليس شيئا منها. وإن كان البرهان الكلى من وجه ما هو أكثر، فإنه من وجه آخر على ما هو أقل في الوجود، لأن الذي هو في الوجود هو خط آخر أو سطح أو زمان. على أنه كثيرا ما يتفق أن يقع بالجزئي ظن يخالف الحق الكلى - على ما قيل في"أنولوطيقا". ولو كان البرهان يقصد به أن يكون على الجزئي وعلى الموجود الحاصل، لاستحال وقوع علم وظن معا. فإذن البرهان على الكلى أخس وأوضع.

ثم قيل في التعليم الول: ليس العلم بالجزئي أكثر من العلم بالكلى، بل أقل: فإنه إذا كان المثلث المتساوي الساقين زواياه كذا وكذا ليس لأنه متساوي الساقين، بل لأنه مثلث، فالذي يعلم ذلك في متساوي الساقين لا من جهة ما هو متساوي الساقين، بل من جهة ما هو مثلث، فعلمه أكثر، إذ يعلم ذلك بالقوة القريبة من الفعل في غير متساوي الساقين من المثلثات، كما يعلمه في متساوي الساقين. وإذا علمه للمثلث فقد علمه لما هو له بالذات، وإذا علنه لمتساوي الساقين فقد علمه لا لما هو له بالذات. فالكلى إذن أفضل.

وأيضًا فغن اللفظ الدال على طبيعة الكلى ليس اسما مشتركا بل اسما متواطئا. وليست طبيعته في الجزئيات كطبيعة الأعراض، بل طبيعة ملائمة للجوهر داخلة في الحد وليس وجوده أقل من وجود الآحاد الجزئية، وإن كان هو واحدا لتشابهه، وتلك لا نهاية لها. وذلك لأن وجود الثابت الباقي أكثر وآكد من وجود الفاسد. والبرهان على الجزئي الفاسد من جهة ما هو جزئي يكاد لا يغني ولا يتناهى إذا لم يُجمع في كل تشترك فيه أمور بلا نهاية وتتحد به فيكفيها كلها برهان واحد. ولولا ذلك لاحتيج إلى براهين بغير نهاية. وأيضًا فإنه ليس يجب على المبرهن من جهة برهانه على الكلى أنه إن لم يجعل الكلى معدوما يلزمه أن يجعله شيئا مباينا للجزئيات. فليست الجواهر الكلية في ذلك بمباينة الحال للأعراض الكلية مثل الكيفية والكمية. فترى هل يجب لكون هذه الأعراض كلية أو تكون أمورا خارجة عن الجزئيات، قائمة بذاتها، موجودة لا في موضوع؟ وهل جزئياتها إذا انفردت بحد تنفرد بالقوام. وإذا غلط غالط فظن أن الكلى شيء خارج عن الجزئيات بسبب إفراد البرهان عليه، فاللوم يلحقه في إصغائه للباطل وتوهمه المحال دون الذي يستعمل البرهان الكلى على واجبه.

وقد علمت أنت في مواضع أخرى الفرق بين الذي ينظر إليه دون اعتبار غيره، وبين الذي ينظر إليه وهو مجرد مباين لغيره.

وأيضا فإنا قد أشبعنا القول في أن البرهان هو قياس من العلة واللمية، والكلى أولى بأن يعطى العلة: وذلك لأن المعنى يوجد للكلى بذاته وأولا، فإن كل شيء له أمر بذاته لا يحتاج أن يكون لشيء آخر يفرض غيره حتى يكون له، بل إن لم يكن للغير المفروض كان له، ولا يكون لذلك الغير إلا ويكون له، فهو للغير بسببه. وهو العلة الغريبة.

فالكلى هو الذي يعطى الجزئي ماله بذاته. والكلى هو الذي عنده نهاية البحث عن لم وعند تناهي البحث ما يظن أنا علمنا الشيء، كما لو سأل سائل: لم جاء فلان؟ فقيل ليأخذ مالا ما، فيقال: لم يأخذ؟ قيل ليقضي دين غريمه، قبل ولم يقضي؟ قيل لكي لا يكون ظالما. فإذا وقف البحث عن اللم عند هذا وأمثاله، فقد سكنت النفس إلى معلومها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت