وأما على سبيل الوجه الثاني - وذلك أن نعني أن كل ب من حيث هو ب هو كذا، وكذا يدل على ماهية - فإن هذا القول مانع أن ينتج الاقتران ويغير الوسط ويجعله آخر. ولو كان هذا القول منتجا لوجب أن يكون ما هو حد ب من حيث هو ب هو حد ج، وهو غيره في الحد وغير حده. هذا محال: فإن الخاصة والفصل وإن كانا يقالان على النوع ويحمل على النوع حدهما، فإنما يحمل لا من طريق أنه حد للنوع، أو حدهما واحد: فحدهما حد النوع - ولكن من طريق انه موجود للنوع. وفرق بين أن يكون هذا الشيء موجودا للشيء وبين أن يكون حدا له، أو يكون حدهما واحدا. بل حد طبيعة النوع وحد طبيعة فصله وحد طبيعة خاصته مفترق. فحد فصله جزء من حده. وحد خاصته مأخوذ فيه حده بالقوة أو بالفعل.
فإذن ليس يمكن أن يكون الحد الأوسط خاصة أو فصلا من هذا الوجه؛ ولا رسما أيضًا.
وأقول من رأس كالمعيد إن مثل هذا الوسط إما ألا يفيد الحد، وإما أن تكون الكبرى كاذبة: لأنك لا تخلو إما أن تقول مثلا"كل ضحاك أو ناطق فهو حيوان ناطق مائت"وتسكت، فحينئذ ينتج أن كل إنسان حيوان ناطق مائت، من غير زيادة بيان أن هذا حده. وحينئذ يكون حمل الحد على موضوع النتيجة ليس أخفى من جمله على الحد الأوسط، بل ربما كان ذلك أوضح: فإنا إنما نعلم أن الضحاك حيوان ناطق مائت، لأنا نعلم أنه إنسان. وقد بان لك من حال الفصل أن حمل حد النوع عليه يجب أن يكون أخفى من حمله على النوع إن كنت تذكر أصولا سلفت. وإما أن تقول كا ضحاك أو ناطق فهو محدود بأنه حيوان ناطق مائت، وان هذه الجملة ماهيته، فتكون هذه المقدمة كاذبة: لأن معنى قولك"كل ضحاك"أو"كل ناطق"يفهم على وجهين متضمنين فيه: أحدهما أن كل ضحاك من جهة ما هو ضحاك، أو كال ناطق من جهة ما هو ناطق. والآخر، كل شيء يوضع للضحاك وكل شيء يوضع للناطق وليس هو ذات الضحاك أو ذات الناطق. وكلا الوجهين داخل في قولنا كل ضحاك وكل ناطق. ثم هذا الحد ليس حدا للضحاك من جهة ما هو ضحاك وذات ضحاك، ولا الناطق من جهة ما هو ناطق وذات ناطق، بل مما يعرض لذاته ضحاك ويتقوم بان يحمل عليه الناطق - وهو الإنسان.
فإذن ليس يصح أن يقال: ما هو ضحاك أو ناطق فيحمل عليه هذا المعنى على أنه حد.
وأما الوجه الثاني - وهو أن يعني أن كل ما هو موضوع للضحاك وضعا حقيقيا، أو للناطق - فهذا حده، ويعني بذلك الإنسان ويشير إليه في الذهن. فإن كان هذا بينا لم يحتج إلى بيان بالكبرى، بل الكبرى بالحقيقة تبين إذا كان ذلك بينا. وإن لم نشر إليه، بل أشرنا إلى كل واحد واحد، كذبنا. وإن لم نفعل شيئا من ذلك، لم تكن الكبرى مسلمة.
فقد بان أن الحد الأوسط في القياس المنتج للحد لا يكون خاصة ولا فصلا ولا رسما، بل إن كان ولابد، فيجب أن يكون حدا آخر. أما أن الحد الحقيقي للشيء الواحد لا يكون إلا واحدا فذلك يظهر إذا عرفنا م الحد الحقيقي، وعرفنا أنه مساو لذات الشيء من وجهين: أحدهما من جهة الحمل والانعكاس، والثاني من جهة استيفاء كل معنى ذاتي داخل في ماهيته حتى يساويه ويكون صورة معقولة مساوية لصورته الموجودة. ومعلوم أن مثل هذا الحد لا يكون للذات الواحدة إلا واحدا. ولو كان له حد ثان يشتمل على صفات ذاتية خارجة عن اشتمال الحد الأول، لما كان الأول حدا مساويا لمعنى ذات الشيء، ولا حدا حقيقيا بالجملة.