فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 781

ثم قيل إن طريق القسمة لا يثبت أيضًا أن أ حد ج. بل لا قياس بالقسمة على شيء كما أوضحنا في الفن المتقدم: لأنه ليس يوضع في القسمة وجود شيء، بل إنما يفصّل فقط فيقال: إما )114 ب ( أن يكون كذا وإما أن يكون كذا؛ ولا يلزم من ذلك أن يوضع أحد الأقسام بالضرورة، إلا أن يصادر عليه ويوضع مسلما كأن لم يكن قياس. وهذا يشبه الاستقراء الدائر من وجه، وذلك لأنه إذا كان مشكلا عندنا هل كل ج ل فأوضح موضح أن ذلك كذلك لأن كل ج أ ، كل أ ب، ثم أخذ يبين أن كل أ ب بأن ينظر فيقول: لأن د ب، ب، ز ب، وهي الجزئيات التي في رتبة ج، ثم يقول فكل أ ب. فيقول القائل - إذا أراد ألا يقبل إلا الضروري - إن ما تحت أ ليس د، ه ، ز فقط بل ، ج أيضًا؛ فإن سلمت أن د، ه ، ز مما هو أ ) هو( ب، لم يلزم أن يكون كل أ ب: فعسى ما لم يشاهد أو لم يُعد خلاف ما شوهد وعد؛ فعسى إنما الذي هو ب بعض الألف - وهو د، ه ، ز وأن ج الذي تنازعنا فيه مخالف. وإن أخذت في الاستقراء أن ج أيضًا هو ب حتى لم يبق جزئي ل أ إلا وقد حمل عليه ب، فقد صادرت على المطلوب وأخذت أن ج ب في بيان أن أ ب لبيان أن ج ب: وهذا محال.

وكما أن مثل هذا الاستقراء لا يضع المطلوب ولا يوجبه بالضرورة أو يصادر على المطلوب الأول، فكذلك التقسيم. وعلى هذا يجب أن يفهم هذا الموضع. فإنه إذا قسّم القاسم بأن الإنسان إما حيوان وإما غير حيوان بل جسم غير ذي نفس، ثم يصغ أنه حيوان ثم يقول: والحيوان إما ماش وإما سابح وإما زاحف وإما طائر، فيضع مثلا أنه ماش، ثم يقول فالإنسان إذن حيوان ماش، كان أخل في إنتاج الحد من هذه الجملة بوجوه ثلاثة: أحدهما أنه لما قسّم لم يتعين له بالقسمة أحد الطرفين بل وضعه مصادرة وتسليما.

والثاني أنه جمع متفرقا. وهذا قد يقع فيه الخلل من وجوه: أحدهما أنه قد يمكن أن يصدق القول متفرقا ويكذب مجتمعا. والثاني أنه يمكن ألا يجتمع من متفرقات طبيعية واحدة بالذات، وهذان مذكوران في باريرمينياس. والثالث أنه قد يمكن أن يقع الجمع لا على الترتيب المحمود الذي يجب أن يراعى في الحد، فينظر فيه أي الفصول يجب أن يقدم وأيها يجب أن يؤخر - وذلك إذا اجتمعت عدة فصول. فهذه ثلاثة وجوه يتشعب إليها الوجه الثاني، وهو الخطأ في جمع المتفرق.

وهذه الوجوه الثلاثة يؤمن عنها وقوع القسمة بالذاتيات وبالأوليات في القسمة على ما قد علمت: أي ما ينقسم إليه الشيء لأنه هو، لا لأجل شيء أخص منه. إلا أنه مع ذلك لا يكون فيه قياس على الحد لما تعرفه.

والثالث من الإخلال في إنتاج الحد من هذه أنه جمع فقط ولم يدل على أنه حد: فإنه ليس كل مجموع ذاتيات على الصواب في الترتيب حدا، فربما نقص شيء من الواجب أو زاد. على أنه يعسر أو يبعد ألا يقع في القسمة طفرة أو تخط للذاتيات إلى شيء خارج من الجوهر، لأن القسمة قد يقع فيها جميع ذلك: مثلا بأن يدخل الضحاك أو عريض الأظفار أو منتصب القامة فيها.

وإن تكلف إبانة وقوع الاحتراز عن هذا، فقد جاوز مقتضى القسمة. وإن تعدى القسمة إلى القياس بأن قسم فاستثنى نقيض قسم أو أقسام وأنتج واحدا هو الباقي من الأقسام، فجمع أجزاء الحدود وتعدى هذا القياس أيضًا إلى قياس بأن جمع المحمولات مفردة جوهرية حتى حصل منها مساو للشيء فقال جملة هذه المحمولات قول مفصل دال على الماهية مساو، وكل ما كان كذلك فهو حد: فهذا حد. فما عمل شيئا حين حاول إثبات الحد بقسمة وقياس معها.

أما القياس الأول فلأنه بالحقيقة ليس بقياس لأن أجزاء الحد بينة بنفسها للمحدود. وإذا كان حصل ذاته في الوهم مجملا وكانت الحاجة إلى تحديده، فإن أجزاء ذلك المجمل تكون بينة للمجمل فلا يحتاج إلى بيان. فإن طن ظان أنه يحتاج إلى بيان، فليس بيانها رفع سائر الأقسام، فإن إثباتها أبين من رفع سائر الأقسام أو مساو له في الخفاء: فإن الناطق أبين للإنسان - إذا عرف ما الناطق - من انه ليس غير ناطق. والاستثناء يحتاج إلى أن يكون أبين من النتيجة، ليس مثلها أو أخفى منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت