فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 781

فإذ قد تكُلف هذا التكلف، فبالحرى أن نجعل له وجها مفيدا على ما أوردناه فنقول الآن: إن كل ما هو على موضوع بالحقيقة فهو كلى، وكل كلى فإنه محمول على موضوع ضرورةً؛ لأن له جزيئات بفعل أو بقوة يقال عليها الكلى هذا القول؛ وكل موجود في موضوع فهو الذى يقال له عرض؛ وإذا كان كذلك فكل عرض فهو موجود في موضوع؛ فإن العرض اسم موضوع لهذا المعنى؛ ولا يلزمنا في هذه الجهة من الشناعة المنوطة بترادف الاسم ما لزم في الجهة الأخرى التى للكلى؛ وذلك لأن تلك الجهة إذا أمكن أن يقال فيها ماقيل، ولم يكن بالترادف، بقيت هذه الجهة على الترادف، ولم تلزم الأمور التى كانت تلزم. وذلك لأن الفائدة في استعمال لفظ الموجود في موضوع اسما مرادفا للعرض أو قولا مرادفا لاسمه يحصل بسبب القسم الذى في إيراده غير مرادف فائدة. على أن هذا ليس بالحقيقة اسما مرادفا للعرض بل قولا يشرح اسمه، إذ يلتفت إلى دلالة جزءٍ جزءٍ منه.

وأما الكلى فإنما يشرح اسمه قولك:"المقول على كثيرين"والمقول على موضوع اسم له معنى يلزمه أن يكون مقولا على كثيرين بالحجة التى أومأنا إليها. وأما الموجود في موضوع فهو قول مرادف لاسم العرض، فإن العرضية ليست معناها إلا أن يكون للشئ وجود في موضوع ويكون المعنى بالموجود في الموضوع مانقرره بعد. وإذ تقرر هذا فنقول: إن ما ليس من الأشياء مقولا على موضوع هو الجزئى، وبالعكس؛ وما ليس بموجود في موضوع فهو الذى نسميه الجوهر.

ثم إن قوما اشترطوا في المقول على الموضوع أن يكون ذاتيا مقوما للماهية، وفى الموجود في الموضوع أن يكون عرضيا، إذ كان العرض عندهم والعرضى شيئا واحدا، وإن كان كثيرا ما يختلفان؛ فلم يخطر لهم في هذا المكان كثرة اختلافهما ببال.

فهولاء حكموا بأن الأبيض إذا قيل على هذا الشىء الأبيض لم يكن مقولا على موضوع، بل موجودا في موضوع، إذ ظنوا أن الأبيض موجود في موضوع إذ ظنوا أن الأبيض عرض؛ بل جاوزوا هذا إلى أن قالوا: إن الكلى هو المقوم لماهية الشىء؛ فكأن غيره ليس بكل. فلنورد لفظ بعض مقدميهم في تصحيح هذا المعنى، ولندل على الفضيحة التى في ليتضح أن الصواب ما ذهبنا إليه. قال: وإنما قلت إن الكلى هو الذى يحمل على جزيئاته عن طريق"ما الشىء"، وهو الذى يقال على موضوع، لأنه قد يحمل على الموضوع أشياء على غير هذه الجهة؛ مثال ذلك أن نحمل على زيد أنه يمشى، فنقول: إن زيدا يمشى؛ لكن معنى يمشى ليس يحمل على زيد على أنه أمر كلى وزيد جزئيه؛ لأنه ليس يحمل على زيد عند المسألة عنه ما هو؛ لأنه إن سأل سائل: ما هو زيد، فأجابه المسؤول:بأنه يمشى، كان جوابه له خطأ وكذبا؛ لأن معنى يمشى ليس يدل على ماهية زيد، بل إنما هو فعل من أفعاله. فانظر إلى هذا المنطقى جعل مطلوبه ودعواه أن الكلى هو الذى يُحمل على جزيئاته من طريق ما الشىء، ثم أراد أن يبين هذه الدعوى فجعل بيان ذلك من أن ما يحمل لا من طريق"ما الشىء"لا يكون كليا؛ وهذا عكس النقيض للمطلوب. ولوكان بيَنًِّا أو مسلمًا لكان الأول لازما عن كثب. ثم نَصَّ المسألةَ في جزئى، وهو أنه يمشى وترك الماشى، لأن هذه المغالطة كانت تظهر في الماشى أكثر، إذ كان الماشى اسما، وكان يمشى فعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت