فهذا وجه بيان هذا الفرق. وما أراه يحتاج إليه؛ وإن احتيج إلى ذلك، كان فرقا أيضا بين وجود العرض في الموضوع، وبين وجود الجنس في الأنواع، من حيث العموم، ووجوِد النوع في الأشخاص؛ وبالجملة بينه وبين وجود الكلى في الجزيئات من حيث هو كلى.
وإذا عنينا بقولنا"الموجود في شئ"، أى في شئ متحصل القوام بنفسه، قد تمت شيئيته دون ما يوجد فيه، أو يتم دونها فلا يقومه ما يحله، كان فرقا بين حال العرض في الموضوع وحال الصورة في المادة؛ فإن الصورة هى الأمر الذي يجعل محله موجودا بالفعل؛ ومحله ليس بنفسه شيئا بالفعل إلا بالصورة.
وقوله:"لاكجزء منه"يفرق بين ذلك وبين وجود الجزء في الكل وبين وجود طبيعة الجنس في طبيعة النوع الواحد، من حيث هما طبيعتان، وبين وجود عمومية النوع في عمومية الجنس، من حيث هما عامان؛ وبالجملة يفرق بين حال العرض في الموضوع وبين حال الجزئى في الكلى الذى من هذه الجهة يقال للجزئى أنه في الكلى؛ وكذلك يفرق بينه وبين وجود المادة في المركب والصورة في المركب.
وقوله:"ولا يمكن قوامه مفارقا له"يفرق بين كون العرض في موضوعه وكون الشئ في الزمان؛ لأن الشئ في أى زمان فَرَضْتَه يمكنك أن تجعله مفارقا له إلى زمان آخر، ولا كذلك حال العرض في موضوعه.
وكذلك الشئ في المكان؛ فإن كونه في المكان لايوجب أن يكون هو بحيث لايقوم دون المكان؛ فإنه، لا من حيث هو ذو مكان، ولا من حيث ذلك مكان، يلزم أن لايفارق ذو المكان المكانَ؛ بل إنْ كان ولابد، فلسبب آخر. وكون العرض في موضوع، يوجب ذلك، من حيث هذا موضوع، وذلك عرض.
وكذلك كون الشئ في الغاية؛ فإنَّ كون الشئ في الغاية قد يفارق الغاية، كالإنسان في السعادة، والبدن في الصحة، والسايس في السياسة.
وكذلك كون الجوهر في العرض؛ فإنَّ الجوهرَ يفارق العرض ويصح له دونه قوام. وكذلك المادة ، من حيث لها معنى المادة، لايمتنع عليها أن تفارق الصورة إلى أخرى. وطبيعة الجنس قد توجد مفارقة لطبيعة النوع في نوع آخر. على أنَّ في مثل هذا نظرًا ليس يفى به المنطق.
لكن الشكوك على هذا كثيرة، ولنذكرها ولنحلها حلا. من ذلك أن الشئ يقال إنه في الزمان المطلق ولا يفارق الزمان المطلق؛ وأن الشئ يقال له إنه في المكان المطلق، ولا يفارق المكان المطلق؛ والجوهر يقال إنه في العرض المطلق كذلك، ولا يفارق العرض المطلق. وبعض الأجسام لايصح لها أن توجد إلا في المكان الذى هى فيه وليست أعراضا، كالقمر في فلكه. وبعض المواد لاتفارق الصورة التى لها إلى أخرى كمادة الفلك، وليست أعراضا. ولا شئَ من الصورة يصح أن يفارق المادة.
وقد قلتم: ليس كون الصورة في المادة كون الشئ في موضوع؛ فنقول أولا: إن معنى قولنا: ولا يمكن مفارقته لما هو فيه، أن أى موجود معيَّن منه أخذته في الشئ المتعين الذي هو فيه موجود لم يجز مفارقته لذلك المعينّ، بل علة قوامه هى أنه فيه، لا أن يكون ذلك أمرا لزمه بعد تقوِّمه بالفعل. ولأجل هذا ما خُصذض العرض باسم الموجود في الموضوع؛ إذ هو اعتبار الوجود؛ وخُصَّ الآخر بلفظ القول على الموضوع؛ إذ الكلى إنما يكون موجودا في اللفظ أو في التصَوُّرِ؛ وكلاهما قول. فهذا غرضنا فيما نقوله؛ فتزول شبهة المكان والزمان والعرض المطلقات لأجل ما اشترطناه من التعيين.
ومن جهة أن الشىء إنما يكون في المطلقات بحسب الوهم، وكلامنا بحسب الوجود، وليس في الوجود، كما تعلم، إلا أعيانٌ موجودة في أعيانٍ كلها شخصية، وكلامنا في نحو وجودها الذى لها، لا في نحو التوهم. ولو اعتبرنا نحوَ التوهم، لم يبعد أن نجعل كثيرا من الأعراض مفارقةً للموضوعات في التوهم. وأما القمر في فلكه فذلك أمرٌ لزمه من خارج لزوما، لا أنَّ علة وجود القمر، من حيث هى طبيعة القَمَرِيَّة، كونه في مكانه. ولذلك يصح أن يُفرض للقمر جزءٌ بوجهٍ ما؛ لأن كل جسم يصح أن يفرض له جزء بوجهٍ ما، وما يفرض من أجزائه يكون غير موصوف بأنه يكون في مكان الكل أو في مكانٍ البتة. تعلم هذا في علم الطبيعة؛ ومع هذا، فليس ذلك لأنه في المكان حتى يوجب كونه في المكان أن لايفارق المكان؛ بل إنما يوِجب ذلك فيه شئ غير كونه في المكان. وأما العرض فإنما ذلك له لأنه في موضوع.