فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 781

أما الذي تؤدي إليه بقسمة أولى أو بقسمة ثانية، فإنه لا بأس في أن يكون الحكم أعرف في الجزئيات منه في الكلى، وأن يتوصل من الجزئيات إلى الكلى، لكنه من شرطه أن لا يكون كل نوع أو صنف مما انتهيت إليه القسمة محمولا فيه الإيجاب والسلب إلا باستقراء الأشخاص؛ فإن ذلك لا يغني ولا ينتهي، اللهم إلا أن يكون تتبع الجزئيات الشخصية على سبيل التجربة الموقعة للتصديق الكلى المعروف حالها في كتاب"القياس"؛ فحينئذ يصلح هذا النظر.

فأما إذا لم يكن الحكم على كلية جزئي مما هو تحت الكلى الأول الأعم بيّنا، من غير التفات إلى جزئياته الشخصية التفاتا غير تجربي، فإن هذه الطريقة لا تنفع في البراهين. وإنما تنفع في البراهين حيث تكون إما في حكم الاستقراء التام، أو في حكم التجربة التي تقع في كل نوه مما وقف عنده وقوفا؛ وهذا مما يقع في القليل.

وأما المخاطب التعليمي، فإذا أورد عليه أكثر جزئيات الأمر، وكان الحكم فيها مستمرا - لكن المعلم الول لم يبين أن ذلك في الكل، بحيث ولا شاذ واحد - كان من العدل أن لا يسلم المقدمة للمجيب، وأن ينكرها من غير أن يلزمه الإتيان بعناد البتة؛ فغن الحق ليس يتبين له بسبب أنه يجد معاندة أو لا يجد. فإنه إذا كان لا يجد هو معاندة للحكم، فليس يجب أن يكون في نفس المر له معاند. وإذا جاز أن يكون في نفس الأمر معاندة جاز عنده أن لا يكون الحكم الكلى حقا في نف المر، وإن كان حقا في الأكثر. فإذا جاز ذلك عنده، لم يكن التسليم مما يلزمه، فلم تكن نتيجة القياس مما يلزمه، فلم يكن تعليم.

وأما في الجدل فليس الغرض عقد قياس من حقيات أوليات بينة، بل مما هو بيّن في المشهور. وأكثر بيان المقدمات في المشهور؛ إنما هو في الاستقراء؛ فإذا أتى باستقراء يعم الأكثر، فقد أتى بالقانون الجدلي. فإن وجد المخاطب ما يعاند به، فقد ناقض المقدمة الكلية؛ وإن لم يجد؛ بل وجد استمرارا، قبل ما في حكم الجدل أن يقبل. فأما إن قال: لا أقبل، ومع ذلك فليس عندي عناد؛ بل أنا عاجز عن المناقضة، فقد تعرض لأن يسخر منه. فهذا الموضع معد نحو الإثبات والإبطال المطلق من هذا الوجه.

وأما أنه كيف يكون معدا نحو العرض، فأن يجعل النظر في المحمول ليس على أنه محمول مطلقا، بل على انه موجود عرضا في الكل والأكثر، أو ليس موجودا عرضا في شيء أو في الأكثر.

وموضع ثالث شبيه بهذا الموضع في شيء، ويخالفه في شيء. أما مشابهته لما مضى، فإنه تتبع لآحاد كثيرة. وأما مخالفته فلأنه تتبع لآحاد كثيرة، هي أجزاء الحد الأول، فقد كان تتبع لآحاد كثيرة وهي جزئيات الموضوع. وأيضًا، الأول كان التتبع فيه مخصوصا بجانب الموضوع. وأما هذا فإن التتبع فيه مخصوص بأحد الجانبين وحده. وأما نفس الموضع، فإن يورد حد كل واحد من الموضوع والمحمول ويحلل إلى أجزائه، ويطلب هل في الأجزاء ما يمنع وجود المحمول للموضوع، فإنه إن كان جزء من حد أحدهما منافيا للآخر، فجملة الحد مناف، فالمحدود مناف. مثال ذلك، إن قال قائل غير مبال ولا متق:"إن الله يظلم"نظرنا في شرح اسم الله تعالى، وفي حد الظلم، فنجد شرح اسم الله تعالى أنه: هو الموجود البريء عن الانفعال والتغير، والمعطى لكل موجود وجوده. ونجد حد الظالم: أنه إضرار يصدر عن الشيء طوعا - وإن كان هناك شرط زائد فلا نحتاج الآن إليه - فنجد الإضرار تغيرا ما وتأثيرا بوجه. ونجد الله تعالى لا يصلح أن ينسب إليه تأثير الضرر فيه، وتغيير الطارئ عليه إياه، فيصير ذلك لنا سببا إلى إبطال الدعوى.

وكذلك إن قال قائل:"إن الفاضل قد يحسد"، فلننظر في حد الحسد، فنجده أذى يلحق بسبب الشعور حال الأخيار، ونجد الفاضل هو الذي يجري في الفعل والانفعال، والتلذذ والتأذي، على ما هو الجميل والعدل؛ فيجب أن يكون الفاضل غير حسود.

وكذلك لو قال قائل:"إن المنافس حسود"، ونجد المنافس بأنه هو المتألم لحسن حال من لا يستحق الخير من الأشرار، فنعلم أن المنافس ليس بحسود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت