فهرس الكتاب
وهذا الموضع صالح للإثبات والسلب. وأما المبطل فيكفيه أن يبين في بعض تلك المعاني أن الحكم غير موجود إذا كان يبطل كليا. وأما المثبت فلا يمكنه أن يثبت أن الحكم كلى بسبب وجوده في جزئي واحد، بل بسبب وجوده في الكلى، أو في الأكثر؛ إلا أن يكون شيء واحد، وهو أن يكون مقنعا أو مسلما أن الحكم في الجميع كالحكم في الواحد؛ وذلك في الأمور المقومة واللازمة؛ فإنه إذا صح أن المحمول مقوم لجزئي واحد من كلى أخير، صح أنه مقوم للكلى بها؛ وكذلك في اللوازم التي لا تفارق إذا سلم أنه موجود لشيء من الكلى. وفي جميع ما يقع عليه الاصطلاح بين المجيب والسائل أن الحكم في الواحد والكثير لا يختلف. فأما إن لم يكن كذلك، فالجزئي الواحد لا ينفع في إثبات حكم كلى؛ فليس إذا كان نفس الإنسان غير مائتة يلزم أن يجعل كل نفس غير مائتة. وأما إذا كان القائل قال: إن نفس إنسان واحد، حكمه واحد؛ ثم يبين أن نفس فلان غير مائتة - وقول نفس الإنسان ونفس كل حيوان يتفقان في هذا الحكم - ثم يبين أن نفس الإنسان غير مائتة بدليل من المشهورات؛ مثلا أنها خاطبت بعد الموت في الرؤيا فلانا فأخبرته بأن له رفيقا في موضع كذا، أو بأن فلانا المدعى على ورثته محق، أو بشيء مما يشبه هذا، فأقنع هذا في المشهور بأن نفسه تكون حية، وهي التي أتت نفس النائم فحدثته بما حدثته، انتقل القائل فقال: وكل نفس إنسانية لا تموت، إذا كان الخلاف في كل نفس وفي هذه الواحدة خلافا واحدا.
فكذلك حكم ما تكون الجزئيات فيه ليست جزئيات المعنى، بل جزئيات اللفظ. وإنما يلجأ الجدلي إلى هذا الصنيع، حيث لا يجد الحكم عاما بحسب معنى واحد وجود المهندس مساواة الزوايا الثلاث لقائمتين في المثلث؛ فغن الجدلي لو وجده عاما لم يحتج إلى ان يستعمل الاسم المشترك، بل له أن يقصد المعنى الواحد الذي الكلام بالحقيقة فيه، ثم يبين الحكم فيه. وإن كان لا يجد الحكم عاما، ويجده خاصا بالمعنى الذي يقصده وبيّنا فيه، فما حاجته إلى الاشتغال باللفظ المشترك؟ إنما يحوجه إلى ذلك أن الحكم يكون واضحا في غير المعنى المقصود؛ فيأخذه على أنه المعنى المقصود لاشتراك الاسم. نعم إن وجد الحكم عاما في جميع ما فيه اشتراك الاسم، فمن إظهار القوة أن يستعمل البيان في جميعها، وإن كان لا يلزمه ذلك، بل يكون كأنه يقول: إن الحكم الذي ادعيته ليس هو الحق وحده في كذا، بل وفيما يشاركه في الاسم أيضًا، فإن حكمه حكمه. مثل أنه إن قيل: هل العدل واجب، وكان الواجب يقال باشتراك الاسم على النافع وعلى الجميل نفسه، وعى الواجب وجوده، فيبين أن العدل واجب بالمعنيين جميعا، فيكون قد أظهر قدرة على البيان، وتكلف ما هو فوق الواجب. وهذا بعد أن يدل على أن هناك اشتراكا في الاسم، وأنه غير ذاهب عليه الاسم. فأما إذا دل على اشتراك الاسم، ولم يمكنه أن يستعمل هذه القوة، فأشار إلى أن أحد المعنيين موجود له الحكم، ولم يمكنه أن يبين أن المعنى الثاني كذلك، فقد خرج عن عهدة البيان. لأنه إذا بان أن أحد المعنيين موجود، وأنه إنما نحا ذلك المعنى، فقد سلمت دعواه.
فهذا الموضع إذا أخذ على ظاهر المذكور عند الشروع في بيانه، فهو سوفسطائي، وإذا أخذ على وجه آخر يكون جدليا. وهو أن كثيرا من الأسماء المشتركة في الحقيقة ليست مشتركة في المشهور، وإن كان المشهور لا يمنع أن يوقف على الشركة فيها، فتصير أيضًا حينئذ الشركة فيها مشعورا بها في المشهور، وإن كانت قبل ذلك في حكم المتواطئ؛ فغن كثيرا من المقدمات الجدلية المشهورة تكون مشهورة، ثم قد يشعر بنقيضها، وتمنع، وتوفى، فضلا عن الشهرة في اشتراك الاسم، ولا يوجب هذا كونها غير مشهورة بالحقيقة فليس الشعور بان الأمر غير حق يجعله غير مشهور، بل إذا كان ذلك الشعور أمرا ظاهرا جدا، غالبا، موقوفا عليه حال ما يخاطب عند كل أحد، فحينئذ لا تكون الشهرة حقيقية، بل تكون إنما راجت المقدمة على إنسان ما بسبب من الأسباب، وفي وقت غفلة.