فهرس الكتاب

الصفحة 608 من 781

ولا تُدْخِلْ في واحد من الاعتبارين لفظة:"من حيث"، فلا تأخذ الموصوف بأنه ضحاك من حيث هو ضحاك، ولا الموصوف بالمستحى من حيث هو مستحى، بل خذهما مطلقا من غير اعتبار"من حيث"؛ فقد علمت الفرق بين المطلق وبين المقول فيه"من حيث". وهذا الموضوع نافع في الإثبات والإبطال المطلقين.

والقائل أن يقول: قد جعلت الشيء هاهنا خاصة لمعنيين متباينيين، ومنعت ذلك من قبل.

فنقول: احفظ قولنا الموصوف بأنه الضحاك، والموصوف بأنه المستحى، فالإشارة مستحى، فالإشارة فيه إلى موضع واحد. واعلم أنا نشير بالمثال الذي أوردناه إلى أن الموصوف بخاصية الاستحياء لا يكون موصوفا أيضا بخاصية الفحش، حتى يكون الفحش يلزمه ويساويه.

وموضوع آخر، أن يكون للخاصة مقابل، وهما من الأعراض الذاتية للجنس الذي أعطيناه الخاصة لنوعه، ثم لا يوجد المقابل خاصة لسائر الأنواع بالقياس إلى هذا النوع، مثلا أن كل واحد من الإنسان والفرس واحد بالنوع تحت الحيوان، والحركة بالإرادة مقابلة للسكون بالإرادة، وكلاهما من الأعراض الذاتية للحيوان، ينقسم بهما الحيوان، على ما علمت في كتاب البرهان. فإن جعل خاصة الإنسان أنه المتحرك بذاته بالإرادة، فيجب أن تكون خاصة الفرس بالقياس إلى الإنسان أنه الساكن بذاته من تلقاء نفسه، لكنه ليس ذلك. فليست الخاصة خاصة.

وموضوع آخر، لا يبعد أن يغالط به المشاغبون، مثل أنه إذا كان لموضوع ما خاصة، ثم كان لذلك الموضوع خواص أخرى ومحمولات أخرى لا توجد لغيره؛ فإن تلك الخاصة قد يمكن أن تجعل ليس لذلك الموضوع وحده، بل لذلك الموضوع مع محمولاته الأخرى. فإنه إن كان خاصة الإنسان الضحاك، فيكون الضحاك خاصة لأشياء كثيرة، مثل أنه خاصة للإنسان الخجل، وللإنسان المستحى، وللإنسان القابل للعلم. بل قد يؤخذ محموله على الإنسان الأبيض فتعرض من ذلك وجوه من المغالطة: منها أن يكون الضحاك خاصة للإنسان، وأيضا لما هو في المعنى غير الإنسان؛ فإن الإنسان مع الخجل بالطبع غير الإنسان وحده. وأيضا سيكون الضحاك خاصة لقابل العلم أيضا، والذي من شأنه أن يستحي، فتكون الخاصة غير الخاصة.

ووجه آخر، مثلا أنك تعلم أن الإنسان الأبيض أخص من الإنسان؛ فإن رُوّجَ أن الضحاك خاصة للإنسان الأبيض بسبب أنه خاصته للإنسان، فقيل: والإنسان البيض إنسان، والإنسان خاصته أنه ضحاك، فالإنسان الأبيض خاصته أنه ضحاك، عرض من ذلك أن يكون الإنسان الأسود ليس ضحاك، أو عرض أن تكون الخاصة ليست بخاصة.

وقد يمكن أن تعرض وجوه أخرى غير ذلك؛ فأما الوجه الأول فيكفي الخطب فيه أن تعلم أن قولنا الضحاك خاصة للإنسان،معناه أنه خاصة لما يوصف بالإنسان، وما يوصف بالإنسان هو الإنسان لا غير، موضوعا له؛ على ما علمته في غير هذا الموضع. وإذا قلنا: إن الضحاك خاصة لقابل العلم، كان معناه أن الضحاك خاصة لما يوصف بأنه قابل العلم، وليس إلا الإنسان. فقد علمت فيما سلف أن الموصوف بالإنسان هو ذات الإنسان، لكن الموصوف بالأبيض هو شيء غير الأبيض، وهو إنسان ما، أو ثلج ما. وإن كان أبيض ما موصوفا بأنه أبيض مطلق، ليكن مع ذات آخر قد يكون موصوفا به شيء غيره من حيث إنه أبيض. وإنسان ما لا يكون موصوفا به شيء غيره من حيث هو إنسان، فيكون الأبيض له موصوف هو شيء آخر. وليس كذلك الإنسان. فإذا عنى بقولنا:"المستحى"الموصوف بالمستحى على الوجه الذي قلنا، لم تكن الخاصة لشيء آخر غير الإنسان. وأما إن أخذ المستحى، من حيث هو مستحى، فليس الضحاك خاصة له، فإن المستحى، من حيث هو مستحى، لا يقال عليه الضحاك. فإن المستحى، من حيث هو مستحى، ليس إلا المستحى. وأما الضحاك فشيء آخر، وعلى ما علمت هذا في مواضع أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت