فهرس الكتاب
وينبغي أن تستعمل مع الجدليين القياس، ومع الذين هم أشبه بالعوام الاستقراء. وإذا لم يكن للمعنى المتشابه به اسم صعُب فيه الانتقال من الاستقراء إلى المقدمة الكلية التي المستقريات منتشرة تحت موضوعه، فيتشوش الكلام على السائل والمجيب. أما على السائل، فإنه لا يتهيأ له الانتقال إلى الكلية، وأما على المجيب، فلأنه لا يتهيأ له إيراد المناقضة، إذ لا يعلم ما الذي اشتركت فيه حتى يطلب من جملته جزئيا مختلفا. وبالجملة ربما أدخل أيضًا في جملة الاستقراء أمور غير متشابهة، فأخطأ السائل وغلط المجيب، بل يجب أن يرسم ذلك المعنى ويوضح له اسم. فإذا استقرأ السائل، ودل على ما وقع فيه التشابه، ثم لم يسلم المجيب الكلية فقد ظلم، بل عليه أن يأتي بمناقضة أو يسلم. وهذا بحسب الجدل فقط، لأن الاستقراء جدلي؛ إذ ليس من شرط الجدل أن يكون ما يورد فيه من القول موجبا للمطلوب بالضرورة، بل بحسب المشهور. ولهذا ما كان كثير من المواضع والطرق الغير الواجبة يجوز أن تصير جدلية إذا قبلت واشتهرت ويجوز أن لا تكون جدلية إذا لم تشتهر، وذلك مثل قولهم لو جاز كذا لجاز كذا، إذا كان نظير له، فإن هذا غير واجب في نفس الأمر. فإنه ليس إذا جاز في شيء حكم، جاز في نظيره نظيره. وكذلك قولهم إن لزمني هذا فقد يلزمك أيضًا، فإن هذا غير واجب؛ ولم إذا لزم الآخر كما يلزم الأول أن يترك حكم الأول. وكذلك قولهم لم قلت كذا في كذا، ولم تقل كذا، وهو في طرده، فإنه ليس إذا لم يقل ذلك وجب أن يكون هذا باطلا. وكذلك المعارض للحجة بحجة أخرى، وليس في ذلك خروج عن عهدة الحجة التي أوردت. ولكن هذه إذا اشتهرت صارت طوقا جدلية، وإن كانت غير ضرورية. والاستقراء أولى الجميع بان يُرجع إلى موجبه في حكم الجدل. وليس للمجيب الجدلي أن يقول إن الحكم فيما استقريت هو ما قلت. ولكن الحكم في غيرها ليس حكمها إلا أن يكون مدعيا في أول الأمر أن الواحد المختلف فيه وحده هو المخالف. ويكون هذا قولا سبق منه في الدعوى فلا يكون الاستقراء عاملا عليه، كما يكون قد ادعى أنه من المسلم أن كل عدد زوج، فإنه ليس بأول إلا الاثنينية. فإن قال هذا، تخلص من عهدة الاستقراء، فلا ينفع السائل ما يورد من الاستقراء معه. والمناقضة التي باشتراك الاسم ردية مثل مناقضة استقراء المستقرى ليبين أن كل حيوان حساس، بأن المصور حيوان وليس بحساس، وربما اتفق اشتراك في الاسم فخفي فصار في المشهور اشتراطا في المعنى، فحينئذ يتفق ويروج في مثله، مثل هذه المناقضة. وكذلك ينبغي أن يتمهر في اعتبار الآلات المعطاة في تفصيل معاني الاسم المشترك فيرجع إليها. وربما نوقض المستقرى، فوجد التخصيص بعد النقض يعم المطلوب، والمستقرأ لأجل المطلوب، فيتعلق المجيب التخصيص، ولا يلتفت إلى النقض. مثلا إذا كان قال: كل حيوان يحرك لحيه الأسفل فأورد جزئيات استقرائية مثل الفرس والإنسان، وما يجري مجراهما فنوقض بالتمساح، فله أن يقول: إني لست احتاج إلى الحيوان المطلق فيما استقريته، بل إلى الحيوان الماشي البري. ومن الناس من يمنع هذا، يقول: إن ذلك فرق بعد النقض؛ ولا التفات إليه، وليس في ذلك بأس عند التحقيق فإنه إذا أورد المستقريات من جملة الحيوان الماشي، ولم يكن ذكر لفظ الماشي، أو قصر فتدارك كانت حجته قائمة. وأكثر ما عليه أنه لم يحسن الاحتياط فيما لفظ به، وهذا لا يجعل الحجة غير حجة. والمثال المورد في التعليم الأول لهذا أنه إذا أورد مستقريات كلها قد فارق علما كان له، فكان ناسيا؛ فقال: كل مفارق للعلم ناس، فنوقض بمن فارقه العلم ليغير المعلوم، فيقول: إنما أوردت المستقريات من باب من فارقه العلم مع ثبات المعلوم. وكذلك إذا قال أعظم الضدين لأعظم الأمرين فاستقرى له فعوند بأن كمال الحلقة أفضل من الصحة، فإنها داخلة فيه، وذلك زائد عليها ينافي الفضيلة، لكن المرض أشد رداءة من سوء الهيئة؛ فإن القبيح من الهيئة، والمريض شر منه، فله أن يقول: إنما كلامنا في شيئين متباينين؛ وليس أحدهما في الآخر، لكن الصحة إنما هو في المقدمات الصادقة في البعض إذا لم يورد بالشرط الذي معه يصدق في الحقيقة وفي النطق. على أن هذا المذهب إذا زيفه المشهور في زمان ما يزيف ويقول: والمستقيم أولى أن يستعمله الجدلي من الخلف وتأدى إلى شنع؛ فقال المجيب إن ذلك ليس بشنع، بل هو ممكن بطل