فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 781

وأما الداعي إلى الجور من انتهاز الفرصة، وحسن التأتي، فسنعدها عدا. من ذلك أن يكون الجور مما يسهل تجهيله وإخفاؤه وإنساؤه، أو يكون الغرم فيه، إن شاع وظهر، دون الغنم. وأما الكلام في الممكن وغير الممكن من الأمور فسنشرحه أخيرا. ولكنه إذا اجتمع التمكن وأمن سوء العقبى، دعا ذلك إلى ارتكاب الجور دعاء حثيثا. ومما يؤمن ذلك كثافة العشيرة، وكثرة الشيعة، وخصوصا إذا كانوا شاركوا في العهدة، هم أو آخرون هم منهم بسبب. وهذا من جانب الجائر. ومن ذلك زوال الحشمة، وتأكد الصداقة مع المجور عليه، فيرجى احتماله أو حسن مرجوعه بأدنى اعتذار يخاطب به، ولما ترافع بعد إلى الحاكم. أو إذا أمل ذلك من الحاكم، فيطمع في ميله، أو تخفيفه عليه النكير وهذا من جنبة المجور عليه أو الحاكم. وكذلك إذا كان المجور عليه مريضا، أو ضعيفا، أو بعرض حد يقام عليه، أو بلاء يساق إليه. فإنه إذا كان كذلك، أقدم على ظلمه من غير مبالاة. وهو أيضًا قد يقدم على الجور، فإن مثله لا يظن به الجور. ومن ذلك أن يكون الجور علانية جدا، ومجاهرة حقا، إما بترويج الجد منه على أنه هزل، أو باختداع الأوهام والإيحاء إليها أن ذلك لو لم يكن واجبا، لم يجاهر به. ومثل هذا الجور لا يتحفظ منه، لأن كل تحفظ إنما هو عن معتاد الوقوع، والنوادر لا تتقى، وإلا لازدحمت تقيات غير متناهية في إنسان واحد. ولذلك فلا يتحفظ عن صديق أو حميم. وكذلك فإن حسن الظن بالناس، والواثق بصحبتهم، والغافل عن ترصد أعدائه إياه هو بصدد كل جور لسقوط التحفظ عنه. ومثل هذا يسهل الجور عليه لما يظن به من تضييع الاحتياط. ومن الناس من يهمل التحفظ إيهاما من نفسه سلامة الصدر، ليقل الاحتراز منه، فيتمكن من الجور، وتقوم الحجة له في التنصل أنه ليس من أهل العدوان. ومن الذين يسهل عليهم الجور من يقتدر على كتمان ما جار فيه، إما في الأخبار، وإما في الحالات، أي في أحوال يعمى على الناس فعله من مراآته بالتقوى، أو وقوعه حين ما يجور في زحام لا يبين. ومما يسهل الجور رجاء الإملال باللجاج، وطول المدافعة عند المحاكمة، والمواقفة، أو بذل الغرامة. وكذلك رجاء حيف من الحاكم إلى جنبة الجائر، وتعديه في الحكم. وكذلك الثقة بظهور الإعدام وأنه ليس ممن يسام غرامة ويجبر عليها. وكذلك من يرجو في جوره منفعة حاضرة وعظيمة، ويحاذر مضرة متراخية أو يسيرة. وكذلك من يأمن مضرة الغرامة عند منفعة الغنيمة لعموم فتنة أو وقوع هرج يهدر الجنايات. وكذلك من اكتسب بإمعانه في الجور ذكرا ينشر أو فخرا يشهر، مثل المؤاخذ بثأره، إذا تعدى حد القصاص، فقتل عن نفس نفوسا. وكذلك الذين لا يرتقبون فيما يجنونه آفة عن خسران في مال أو اضطرار إلى جلاء. ومن الناس من هو بالضد من هؤلاء، فيهون عليه ارتكاب الجور الذي تعقبه فضيحة أو عقوبة، إذا أمن الخسران في المال. والمرددون في العقوبات، المعتادون للآلام يستخفونها، فيهون عليهم احتمالها، ولا يقبضهم ذلك عن ارتكاب العدوان. ولهذا ما يشجع من كثرت مزاولته للحروب. وقد يحمل على ذلك ضعف الرأي، وهو الرضى باستعجال المنفعة واللذة، وإن اقترن باستئجال المضرة والأذى الكليمين. وههنا قوم بالضد منهم لا يردعهم عاجل الخسران عن مزاولة جور يعقبهم آجل الالتذاذ. وهؤلاء أجل رأيا. وربما حمل على الجور تقدير الجائر أنه يعتذر بأن ذلك قد وقع منه اتفاقا، أو أنه كان عليه محمولا مستكرها، أو كان سهوا وخطأ، أو صدر عن طبيعة مستولية عليه وعادة متقررة فيه، أو يكون من ظاهر حاله الاستغناء عن ذلك الجور فيقول عند التظلم منه: وما الذي ألجأني إلى هذا الجور ولا امتساس حاجة إياي به، ولا لي سبيل مستقيم إلى غرض دون تعاطيه؟ على أن الاستغناء لا يلحق الحاجة إلى الازدياد. فالحاجة على وجهين: حاجة ضرورة وهي للفقراء وحاجة شره وهي للأغنياء، وإذا أنجح صاحبها لم يحمد، بل ذم لشرهه. والخب منهم ينسب ذلك الإنجاح إلى الجد والاتفاق، دون القصد، ولا يظهر بسببه كل الجدل. والغبي بضده. ومن الأمور التي تكون في الإنسان فيطمع الأشرار فيه أن يكون المجور عليه عييا عن الجور، أو مخذولا، لا ناصر له، أو يكون عنده ما يحتاج إليه المضطر أو المتنعم، أو يكون في طباعه من قوم منظرين مسامحين لا يستعجلون في اقتضاء الحقوق، أو يكون من القرابة. والأقرباء أيضًا، فإن الأولين يجار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت