فهرس الكتاب
قيل في التعليم الأول: إنه يجب أن يكون الكلام الخطابي مفصلًا، أي ذا مصاريع، وتكون التفاصيل ليس كل واحد منها يتم بنفسه، بل يجب أن يكون كل واحد منها مشوقًا إلى المصراع الذي يليه الذي إنما يتم به المعنى. وهذا مثل ما قال الفصيح من العرب: إياك وما يسبق إلى النفس إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره؛ فليس كل من يسمعه نكرًا، يقدر أن يوسعه عذرًا. فإن كل مصراع من مصراعي هذا الكلام يحتاج إلى الفقه حتى يتم. وهذه التفاصيل تحسن عند المخاطبة بالنبرات التي تقطع وتصل. ويب أن يكون للكلام الخطابي عطوف، وهو أن يكون إما الابتداء من لفظ أو حرف ينتهي إليه، سواء كان على سبيل التكرير، أو على سبيل التجنيس، وهو أن يكون المكرر، وإن كان لفظًا مكررًا في المسموع، فهو مختلف في المفهوم. فإن هذا يجعل الكلام لذيذًا، محصورًا بحدود حادة يقف عندها الذهن، ويجعله سهل الحفظ، لكونه ذا عد، إنما يسهل لمثله حفظ الموزون. وبالجملة: فإن المسجع والمعطف والموزون أقرب إلى أن يثبت في الذكر من غيره من الكلام. ويجب أن يكون طول الأسجاع بقدر لا يبعد له ما بين الأطراف بعدًا ينمحي معه تخيل السجع الأول. وأيضًا فلا ينبغي أن يكون سريع الانقطاع قصيرًا جدًا. وينبغي أن يكون التوصيل بين المصاريع غير متباين، ولا مفترقًا فلا يتناسب. والموصل هو الكلام الذي له مصاريع يتنفس فيما بينها، كما عند أسجاع المعاطف، فهو كلام فيه تفاصيل بالفعل. وأما الذي لا تفصيل فيه، فهو المصراع الواحد، مثل المصراع الأخير. ويجب أن تكون مصاريع الأسجاع والاتصالات معتدلة في القصر والطول. فإن القصير يسهي الإنسان لما يعرض من قصر مدة مطابقة الذهن إياه. فإن النهر والمعبر، إذا قصر جدًا، لم يحتفل به، ولم يستعد للطفر عليه، ولم يكن به اعتداد البتة. وأما الطويل فإنه يمل وينسى أوله آخره ويعدل فيه عن الواجب، مثل المعبر الى الساحل إذا كان طويلًا جدًا لم يحسن أن يطفر عليه طفرًا؛ فإن فعل، ل يبعد أن يغرق في وسطه. ومثل الطريق إذا طال، فإن المترافقين يتركون سالكهم في ذلك الطريق، ويحيدون عن مرافقته. فالطويل مملول، والقصير مستحقر، ولا تكون له استدارة، أي اعتدال بأجزاء يعود بعضها على بعض. والكلام الموصول فربما كان اتصاله أقسامًا، ويسمى المقسم، كقولهم: إني تعجبت من فلان الذي قال كذا وكذا، ومن فلان الذي عمل كذا. فهؤلاء أقسام المتعجب منهم. وربما كانت الأقسام إلى التقابل، كقولهم: منهم من اشتاق إلى الثروة، ومنهم من اشتاق إلى اللهو؛ وكقولهم: أما العقلاء فأخفقوا، وأما الحمقى فأنجحوا. والمتقابلات إذا توافقت، أحدثت رونقًا، لظهور بعضها ببعض. فالموصلات: بعضها مقسمات؛ وبعضها متقابلات؛ وبعضها مدافعات وهو أن تختلف أقسامها في الطول والقصر بعد أن يكون بينها نظام ما؛ وبعضها مصارعات وهي التي لها أطراف متشابهة أو مبادئ متشابهة وهي المسعات بسجع واحد بأن يكون المقطع الآخر فيها واحدًا أو تكون فيها كلمة واحدة مكررة في آخر كل مصراع أو أوله. واعلم أن العبارة المفهمة لذيذة بما يفهم، والإغراب مستكره لما لا يفهم.
ومن التغييرات الاستعارية اللذيذة أن ينسب الأمر إلى صفة الفاعل، دون الفاعل، وخصوصًا إذا كانت تلك الصفة توجب الأمر، مثل أن لا يقال: المشايخ يفعلون الخيرات، بل يقول: إن الشيخوخة تفعل الخيرات. وهذه الصفة عامة كالجنس.
ويجب أن تستعمل الاستعارات غير الكثيرة التداخل، وهو أن تدخل استعارة في استعارة. وكذلك الإغرابات فإنه ينبغي أن لا يمعن فيها. فإن الإمعان في الصفة نقيصة، كما أن الإمعان في السخيف من العبارة والسفاف منها يكون مسترذلًا، وذلك هو الذي يفهمه كل إنسان من ساعته. وكذلك الذي يصعب فهمه أيضًا مسترذل. بل يجب أن تكون العبارة بحيث يفهمها الأمائل، دون سقاط الجمهور، ويفهمونه متى أصاخوا إليه إصاخة متأمل، ولم يحوجوا إلى نظر وفحص. فإن هذا أيضًا يكون غير قليل. وإن المعتدل، وخصوصًا إذا شحن بالطابقات المأخوذة من المتقابلات، لذيذ جدًا. وكذلك إذا وقعت فيها استعارات لطيفة، ليست شديدة البعد. وكل ذلك ينبغي أن يكون بتأمل ونظر واختيار للأوفق. وأن يكون التغيير كأنه يجعل الشيء قائمًا نصب العين. ومدار جميع ذلك على ثلثة أشياء: التغييرات، ومطابقات المتقابلات، والأفعال.