وهذا الصنف قريب من الموافق في الخطابة. وأقبح من ذلك ما كان في المكتوبات. فإن هذه إفراطات قد تقال قولًا يتصرم تصرمًا. وأما في الرسائل المكتوبة فأمثالها تقبح، لأنها تخلد. والمخلد يقبح فيه ما يدل على النزق وعلى المجازفة بالقول. وليس أيضًا حال الخطبة المشورية والمدحية التي يخطب بها على رأس الملأ، ويراد فيها التفخيم والتنويه لما يقال، وحال المشورة التي يحكم بها واحد عنه واحد، بمنزلة واحدة. فإن الخطبة تحتمل من الإفراطات ما يقبح أن يخاطب به الواحد على سبيل المشاورة. وعلى كل حال، فإنه يلزمنا أن نعرف الوجه الأجود في المخاطبة، والوجه الأجود في الكتابة، وما يليق بكل واحد منهما، حتى إذا ثبتنا وناظرنا، استعملنا الأول؛ وإذا احتجنا أن نجيب الرسائل، استعملنا الوجه الثاني، ولم نضطر إلى السكوت اضطرار من لا يكتب.
واعلم أن اللفظ المكتوب ينبغي أن يكون أشد تحقيقًا واستقصاء في الدلالة، واللفظ المخاطب به يكون أشد اختلاطًا بأخذ الوجه والنفاق المذكورين، سواء كان خلقيًا أو انفعاليًا. والمنافقون، الآخذون بالوجوه، شديدو الحرص على قراءة الكتب النافعة في أخذ الوجوه، والكتاب على قراءة الكتب النافعة في تجويد اللفظ. والشعراء أيضًا كذلك. وما يسمع، ولا يقرأ، ينسى، فلا يتصدى لنقد الفكر، ولا يلزم من تصحيحه ما يلزم من تصحيح المكتوب. ولهذا ما كان كثير من التاب المهرة لا يجيدون الإقناع بالمخاطبة؛ وكثير من الخطباء المقنعين المفلقين لا يحسنون أن يعملوا بأيديهم إقناعًا. والسبب في ذل أن المنافقة شديدة الموافقة في المنازعات والمفاوضات. وتشبهها أحوال أخرى مثل إهمال الرباطات باختصار أو تكرير الأول الواحد استظهارًا. وليس شيء من هذا بملائم للكتابة. واختلاط أخذ الوجوه بالتغييرات شديد المعونة في الإقناع، لأنهما يتفقان جميعًا على تضليل الذهن. ويكون ترك النفاق كالأخذ بفضل القوة. واستعمال النفاق كالأخذ بالتلطف والالتماس. وكذلك إذا استعملت الألفاظ مجردة عن الرباطات، فقال مثلًا: وافيت (بالوقف) ، طلبت (بالوقف) ، ولم يدل باللفظ على المقصود، بل بالاشارة، والهيئة، والنغمة. والتثقيل المرتل والتعجيل الحدر من هذه الأبواب. وأعلم أن الاختصار في ترك الرباطات هو اختصار لفظي، وليس اختصارًا معنويًا. فإن الرباط يجعل الكلام الكثير كالواحد، وتركه يجعل الكلام مفرقًا، مكثرًا، فيوهم معاني كثيرة، كمن لا يقول: وافيت ولقيت وطلبت، بل يقول: وافيت، لقيت، طلبت، فإن هذا يوهم كأنه عمل أمرًا كثيرًا.