فأما القسمة المشهورة فمنها ما قاله بعضهم: إن الجوهر واحد من المقولات، لاشك فيه؛ فإذا قسمنا التسعة، التى هى الأعراض، إلى تسعيتها، تمت المقولات عشرة، فقال: إن العرض إما أن يكون مستقرًا في موضوعه غير وارد عليه بسبب غيره من خارج، ولا محتاج إلى نسبة إلى ذلك الخارج؛ وهو أقسام ثلاثة: كمية وكيفية ووضع؛ وإما أن يكون واردا عليه من خارج؛ بحيث لا تكون له فيه حاجة إلى أمر ينبعث من نفسه، بل بكيفية وجود أمر من خارج يستند إليه؛ وهو أقسام ثلاثة: الأين ومتى وله؛ وإما أن يكون هناك أمر إنما يتم بينه وبين شىء من خارج؛ وليس من خارج فقط؛ وهو أقسام ثلاثة: المضاف والفعل والانفعال. ثم أحكم أمر هذه الثلاثية ونوَّهَ بذكرها جاريًا على المادة التي جرت من استعمال الخطابة في بعض مسائل الفلسفة، حيث يقولون في تقريظ الثلاثية: إن الثلاثية عدد تام ولذلك لا يقال كل وجميع إلا للثلاثة، والتسابيح مثلثة، والحركات ثلاث؛ والأقطار ثلاثة، وما أشبه ذلك.
فهذا ما قالوه؛ وقد علمت أن هذا شىء على سبيل تقريب غير قريب، ولكنه يمكن أن يدعم هذا المأخذ ويؤكد قليلا بأن يقال: إن كل عرض فلا يخلو إما أن يحوج تصوره إلى تصور شىء خارج عن الموضوع له، أولا يحوج إلى ذلك. والذى لا يحوج إلى ذلك على أقسام ثلاثة: إما أن يكون؛ وإن لم يحوج إلى ذلك، فقد يحوج إلى وقوع نسبة في أشياء هى فيه ليست خارجة عنه؛ وإما أن لا يحوج إلى ذلك البتة. فإن كان محوجا، فهذه الحاجة تجعل الموضوع منقسما بوجه ما حتى تكون له أجزاء لبعضها عند بعض حال متغايرة في النسبة؛ وذلك هو مقولة الوضع؛ إذ هو نسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض أن كل واحد منها أين هو من الكل، فإن هذه هى الاختلافات التى تعرض لها بالذات، من حيث هى أجزاء منقسم. والذى يكون بأعراض أخرى كألوان وروائح، فإنها لا تكون إلا بعد ذلك وتكون بعدَ النسبةِ القاسمة الحاصلة بينها، بما هى أجزاء قد قسم بها الشىء، بل يكون ذلك الاختلاف بغيرِية يصير بها كل واحد مخالفًا للآخر في عارض، ولا يصير للكل بها هيئة واحدة يعتد بها، وليس عرضيا إلا في حال تكون للكل بسبب نسبِ الأجزاء بعضها إلى بعض في أمرٍ مَّا يكون ذلك حالا واحدةً للكل. فيشبه أن يكون هذا هو الوضع للكل والإضافة لأجزاء.
وأما إذا لم يكن تصور ذلك محوِجًا إلى نسبةِ تقع فيها، فإما أن يكون أثرًا لذاته يجعل الجوهر بحيث يصير له من جهته أن يمكنَ عده بواحدٍ يفرض فيه عدًا متصلًا أو منفصلا؛ وهذا هو الكمية؛ وإما أن لا يكون كذلك فيكون هيئةً حاصلة في الجسم لا يحوج تصورها إلى أن تجعل للجسمِ نسبة إلى شىء بقوةِ أو فِعل البتة، حتى يصح تصوره؛ فهذا يسمى كيفية.
فأما الوضع فيوجب نِسبة ما لأجزاء الجسم بالقوة أو بالفعل بعضها إلى بعض، وأما الكم فهو يوجب نسبة ما للكل إلى جزء أو أجزاء بالقوة. ويشتركان، أعنى الوضع والكمية، في أنهما يشيران إلى قسمة وكثرة بوجهٍ من الوجوه حتى يصح تصورهما. فكل هيئة لا توجب قسمةً بوجهٍ من الوجوه في تصوره ولا توجب في ذلك نسبة إلى خارج فهوكيفية. فبيِّن إذن أن هذا القسم على وجوه ثلاثة.
وأما الذى يوجب نسبة إلى خارج، فإما أن يوجب نسبة تجعل الماهية مقولة بالقياس إلى المنسوب إليه، ويكون هناك انعكاس متشابه في معنى النسجة؛ وهذا هو الإضافة؛ وإما أن تكون النسبة لا توجب ذلك؛ فحينئذ إما أن تكون إلى الجواهر أو إلى الأعراض. وأما الجواهر فإنها لأنفسها لا تستحق أن تجعل لها أو إليها نسبة؛ بل إنما تستحق لأمور وأحوال فيها تختص بها. فإذا المعتبر ما يكون إلى أعراض، فتلك الأعراض إما أن تكون من أعراض النسبة أو من غير أعراض النسبة. وأما النسبة إلى أعراض، هى نسبة، فهى من الأمور التى تتسلسل إلى غير النهاية. ومع ذلك فإن النسبة إلى النسبة تؤدى في آخرها إلى نسبةٍ إلى الشىء الآخير الذى إليه النسبة؛ وتستقر عند أول غير منسوب؛ وإلا ذهب إلى غير النهاية؛ فتكون النسبة الحقيقية الأخيرة إنما هى إلى الأعراض التى لا نسبة فيها؛ فتكون إما إلى كمية وإما إلى كيفية وإما إلى وضع.