فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 781

ولا مانع أن يكون تغيّر أمرٍ هو سبب تغيّرِ أمرٍ آخر، كأفولِ الشمس وغيبتِها، فإنّ ذلك سبب لتغيرِ حالِ الأرض والهواءِ؛ وكل واحدٍ تغير في نفسِه.

وليس إذا كان الأمر قد استحال، يجب أن لا يكون الظن قد استحال باستحالةٍ أخرى تابعةٍ لاستحالةِ الأمرِ؛ لكن إذا قيل إن الجواهر تقبل الأضداد بأن تستحيل في أنفسها في معانٍ غيرِ مضافةٍ استحالةً أولية، أى استحالة ليست تتبع استحالة شىء آخر على سبيل المضافِ فقط، لم يوجد الظن بهذه الصفة، وانجلت الشبهة.

وأما السطح، فإنّه أيضًا ليس يستحيل بتغيرٍ له في نفسه؛ بل لأن لموضوعه تغيرًا به. فإن استقصينا وعنينا بقولنا بتغيرِه في نفسه أنه يكون مستغنيًا بذاته وحده في أن يكون موضوعًا للأضداد يتغير بها بنفسه، لا يحتاج في ذلك إلى ما يقيمه ويعرضه لذلك التغير، خرج السطح والظن والقول عن أن يشاركه بوجهٍ من الوجوه.

وأما المناقشة في أن الأعراض بأنفسها لا تحمل الأعراض، وأنها لن تزول عنها أعراض تعقبها أعراض إضافية وقارة زوالًا وعروضًا أوليًا، يكون ذلك للجوهر بتوسطِها، فذلك شىء لا أرى للمنصِفِ أن يركبه، وأنه وإن كان الجوهر سببًا لوجود العرِض، فليس يجب أن يكون مانعًا أن تكون أمور تعرِض للعرِض وتلزمه وتلحقه لحوقًا أولًا ثم تلحق الجوهر بتوسطه؛ وإن كان اللحوق موجودًا معه في الجوهر ومحتاجًا معه إليه؛ كما ليس مانعًا أن تكون له أنواع أيضا وأجناس تقال عليه. وأما تحقيق ذلك فستجده في العلوم.

فلنجمع الآن مساعدِين على أن العرض لا يقبل بمنفرِد ذاته و بتغيرِ نفسهِ شيئًا من الأضداد؛ بل إما أن يتغير في أمرٍ مضافٍ، ليس تغيرًا في نفسه، أى في هيئة قارة في ذاته؛ أو يتغير بتغير ما هو فيه؛ وبالجملة فإن العرض ليس له تغير يختص بنفسه؛ بل إنما له تغير مضاف أو تغير تابع.

فصل (د)

في ابتداء القولِ في الكمية

وقد جرت العادة أن تذكر الكمية عقيب الفراغِ من القولِ في الجوهرِ لمعانٍ داعيةٍ إليه؛ منها ما ذكر من مشاركاتٍ وقعت في الخواص بين الجوهر والكمية أحوجت إلى ذكر الكميةِ في الجوهرِ دون الكيفيةِ والمضافِ.وأما الستة الأخر فإنها تابعة لهذه الأربع كما تعلم بعد. ومنها أن الكمية أعم وجودًا مِن الكيفيةِ وأصح وجودًا من المضاف. أما أعم وجودًا من الكيفيةِ، فلأن العدد من الكميةِ، وليس مقصورًا في وجودهِ على الأمورِ المقارِنةِ للحركةِ والمادةِ دون المفارِقةِ التى لا تقبل كيفية ولا شيئًا غريبًا عن جوهرِها. وأما أصح وجودًا مِن المضافِ، فلأن المضاف غير متقررٍ في ذاتٍ موضوعةٍ تقرر الكميةِ. وأيضًا فإنَّ الكمية المتصلة توجد في جميع الأجسام الطبيعيةِ مِن غير اختلاف؛ والكيفيات تختلف فيها. والكمية إذا شاركت الكيفية في الجواهر فإنها تلزم أول جوهرِ منها وهو الجسم؛ والكيفيات تلزم الجواهر النوعية السافلة أو المتوسطة بعد الجسمِيةِ. وقد يمكن أن يقال في هذه أشياء أخرى.ويمكن أن تطلب للكمية خواص تفضل بها على الكيفية؛ لكنا لا نؤثِر أن نشتغل بأمثال هذه المباحث إلا اشتغالًا دون الوسط.

وأول ما يجب أن نبحث عنه من حالِ الكمية، إن أمكن وكان البحث يحتمله، هو أنها جوهر أو عرض. فإن كانت الكمية هى الجسمِية التى تقارِن المادة فتقوِّم الجسم جسمًا؛ فبالحرى أن تكون صورة مقوِّمة للجواهر. والصورة جوهر؛ فالكمية إذن جوهر.فنقول: إن تحقيق هذه الأشياء مما لا يكلفه المنطقى، بل يجب أن يأخذ المنطقى ما نقوله أخذًا، ويكون بيانه له في صناعة أخرى،فنقول: يجب أن تعلم أن كل جسم فهو متناهٍ؛ ولكن حد الجسم، من حيث هو جسم، غير حد الجسم والمتناهى، من حيث هو متناهٍ؛ والتناهى يلزم كل جسم بعد ما تقوَّم حد الجسميةِ جسمًا؛ ولذلك قد يعقل الجسم جسمًا ولا يعقل تناهيه، ما لم يوضح ببرهانٍ إيضاح العوارِض المطلوبةِ للموضوعات بالبراهين المبينةِ إياها. فالتناهى ليس داخلًا في ماهيةِ الجسم. فالسطح ليس جزءَ حدٍ للجسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت