فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 292

ونحن نعرف أن كثيرًا من المنحرفين تحوّلوا إلى مجرمين كبار من خلال سجنهم مع فئة ضالعة في الإجرام أو مع أشخاص من أصحاب السوابق. أما إذا كانت الدولة غير مشروعة أو كانت لا تخضع لرقابة شعبيّة جيدة فإن قدرتها على حماية الآداب العامة وحفظ ظاهر المجتمع تكون شبه معدومة؛ لأنها هي نفسها تحتاج إلى الكثير من الإصلاح. وهناك نقطة هامّة لا ننتبه في العادة إليها، وهي أن مطالبة الدولة بالمزيد من التدخل لحماية الأخلاق والآداب والأعراف الحميدة، سيعني على نحو آلي منحها المزيد من الصلاحيّة والنفوذ في التدخل في حياة الناس، وهذا يتطلب تضخم أجهزة الدولة، وهذا ليس في صالحها ولا في صالح شعبها. إن الدولة مثل القلب ومثل الكبد إذا تضخم فسد، وإذا فسد تضخم. وقد صدق من قال: الدولة وليدة عيوبنا، والمجتمع وليد فضائلنا.

إن المجتمع الفاضل في الرؤية الإسلامية هو الذي يقوم بمعظم شؤونه دون أن يطلب المعونة من أي دولة أو سلطة بسبب استغنائه بمبادراته ومؤسساته وارتباطاته الأهليّة والشعبيّة. وأعتقد أننا الآن وصلنا إلى بيت القصيد ومربط الفرس في مقالنا هذا. إن العالم يعيش حالة فريدة من التضاغط والتزاحم العمليّ، وفي حالة كهذه تتعاظم قيمة الفعل ويتضاءل وزن الكلام، كما أن كثرة المغريات والمحفزات على الانخراط في الشأن الدنيويّ أضعفت قدرة الناس على المقاومة للشهوات على مقدار ما أضعفت فزعهم إلى الآخرة وإلى عالم المعنى على نحو عام. المستقبل في الحث والتأثير والكف والزجر سيكون للبيئة والجو والسياق والحالة العامة.

إن البيئة الجيدة تؤثر في الشخصية عن طريق (اللاوعي) وتقلل الميول إلى الشرور بشكل سلس. السياقات الحسنة تُبنى من خلال الألوف من الأعمال الخيرة والمبادرات الكبيرة، ومن هنا فإن على أهل الدعوة والغيرة على مستقبل الأمة أن يفكروا بطريقة جدّية وعمليّة في كيفيّة الحصول على حضور متألق في كل المجالات وعلى كل المستويات. إن الطبيعة -كما يقولون- تكره الفراغ.

ومن ثم فإنّ علينا أن نتوقع أن كل فراغ سياسيّ أو تربويّ أو اقتصاديّ أو إعلاميّ.. لا يقوم الصالحون بملئه فسيملأ بسرعة هائلة من قبل غيرهم.

ونستطيع أن نتعلم من حركة اليهود في العالم أكثر من درس بليغ، حيث استطاعوا أن يتحولوا وبصمت عجيب ومن خلال العمل الدؤوب من أقلية مضطهدة مكروهة إلى أقلية ساحقة ومهيبة ومسيطرة، ومهما قلنا عن محاباة الغرب لهم فإن الصحيح أيضًا أنهم قد أبدَوْا براعة نادرة في التنظيم والتخطيط والجهد المتتابع وتلمس مكامن القوة ونقاط الارتكاز، بالإضافة إلى الإحساس المبكر بأهمية العلم في تكوين النفوذ...

حين تكون على درجة عالية من الكفاءة تكثر أعداد الذين لهم مصلحة عندك، وأعداد الذين يحتاجونك. ومن خلال الحاجة إليك يمنحونك الفرصة تلو الفرصة، لأن تكون مؤثرًا وفاعلًا، حتى أعداؤك فإنهم يضطرون إلى مصانعتك من أجل الاستفادة منك.

ملء الفراغ وإحداث التأثير المتميز يحتاج إلى عدد من الأمور المهمة، منها:

1-الكفاءة العالية، والتي يأتي كثير منها من وراء التعلم الجيد والتخصص والتدرب الممتاز والمثابرة في اكتساب الخبرة.

2-الأمانة والاستقامة وشعور المرء بالمسؤوليّة الأخلاقيّة عن العمل الذي بين يديه.

3-التضحية وجعل التبرّع والعطاء المجاني انتظارًا للمثوبة من الله تعالى.

4-فن التفريق بين الجوهري والهامشي وبين المرض وأعراضه، وأعتقد أن انتشار الشرور في المجتمعات الإسلاميّة يعود إلى عدد من الأسباب الجوهريّة والتي منها: حبّ الدنيا، ضعف التربية الأسرية، وهن الإيمان والجانب الروحي، الإعراض عن القراءة والاستمرار في التعلم، عدم كفاءة القوانين والنظم الإداريّة.

5-الشعور بالمسؤولية الشرعيّة عن انتشار المنكرات وشيوع الفواحش، ولنا أن نتأمل قول الله -جل وعلا-: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ*كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة:78-79] . وفي حديث الشيخين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على زينب بنت جحش -رضي الله عنها- فزعًا، يقول:"لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب"قالت زينب:"يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟"، قال:"نعم، إذا كثر الخبث".

أي زمان كزماننا غير المباشر أهم من المباشر، ويكون الردع عن طريق الفعل أقوى من التأثير عن طريق الكلام، كما تكون الحركة الإيجابيّة أهم من الموقف السلبيّ الشاحب والمحتج. وللنية الحسنة والنشاط المستعر قيمة في كل زمان، ولا يكافئ فضيلة الإخلاص إلا كرم التوفيق

#الكِفاح المستمرّ

خلق الله تعالى الدنيا دارًا للابتلاء، فوفّر فيها كل شروط: الأغنياء والفقراء، والأذكياء والبلهاء، والشرفاء والوضعاء، والأقوياء والضعفاء.. كل واحد من هؤلاء مقيم في وضعيّة اختبار بما آتاه الله من مكنة وبما سلبه من نعمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت