فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 292

وباعتبار الزكاة جزءًا من النظام الاقتصادي الإسلامي ، فإنها أيضًا لا تؤدي وظائفها إلا بفاعلية النظام الذي تنتمي إليه ، فمثلًا: (القرض الحسن) جزء من ذلك النظام ، وإعراض الدولة أو الشعب عنه يؤدي إلى نوع من تعطيل حركة المال وتداوله ، وبالتالي إلى ضعف حركة التنمية والاستثمار مما يفضي أيضًا إلى قلة فرص العمل وكثرة الفقراء والمعوزين .

ومرة أخرى فإن فاعلية نظام الزكاة ترتبط جزئيًا بقيام الدولة بواجباتها من ضمان الحد الأدنى من المعيشة للفقير بالقدر الذي يحفظ كرامته ، ويجعله في وضع منتج مثمر ، فإذا عجزت الدولة عن ذلك أو قصرت فيه ، فإن آلية (نظام السوق) ستوجد شريحة واسعة من المحتاجين الذين لا يمكن أن تقوم بهم أموال الزكوات والنذور والكفارات ... وينفعل كل ذلك ويتأثر بقوة النظام القيمي وفاعليته ، فإذا كان نشطًا اندفع الناس إلى التطوع بكثير من الأعمال الخدمية واندفع كثير من الفقراء إلى العمل والحركة مع حسن التدبير والتعفف عن أموال الآخرين مما يخفف من غلواء الحاجة .

ب- الضبط الاجتماعي في الإسلام يقوم على ركنين أساسيين: الأسرة والمجتمع العام بما فيه من وسائل تثقيف وتعليم ورقابة ... وإن الخلل في أي من هذين الركنين سيؤدي إلى شيوع الخلل في أداء الركن الآخر . وواضح أن مهمة الأسرة أن تصقل الفرد من داخله بما تغرسه من قيم وآداب وبما تخطه في ذهنيته ومشاعره من خطوط عميقة ، كما أن مهمة المجتمع الأرحب القيام بالرقابة على تشجيع القيم الإيجابية وحماية أفراده من السقوط فيما يعتبر أعمالًا مشينة أو مُخلة .

والحالة النموذجية في هذا تتجلى في عموم الإيمان بالقيم والنظم ، وتوحد التربية الفردية مع معايير الضبط الاجتماعي على مقتضى ذلك الإيمان ، فإذا ما افترضنا الاختلاف بين القيم الأسرية والقيم التي يبثها الإعلام أو تلقنها المدرسة أو يشيعها الشارع ، فإن النتيجة هي تمزق شخصية الطفل بين مختلف هذه المؤثرات ، وحينئذ فإن التربية الأسرية تتعرض للخطر من قبل المجتمع الأوسع أو يأتي الخطر مما تواضع عليه من قبلها . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن الطفل يُخفي في البيت ما تلقفه من المدرسة أو الشارع ، ويُخفي فيهما ما لُقنه في البيت ، والنتيجة هي الازدواجية والحيرة وانطفاء الفاعلية ، أي إجهاض عمل الجهات التربوية المختلفة ، وترك الناشئ لموجات الظروف .

ج- الحدود في الإسلام وسائل للردع ، وهي بمثابة العمل الجراحي الذي يأتي ترتيبه في التطبب متأخرًا ، وتؤدي الحدود مهماتها في مجتمع تعمل فيه باقي الأنظمة بكفاءة من نحو الاستقرار والعدل وتوفر فرص العمل المناسبة وانعدام المغريات بالفاحشة وانسجام التربية البيتية مع معايير الضبط الاجتماعي وانتشار العلم ... وإذا ما فرضنا وقوع خلل فيما سبق أو بعضه ، فإن كفاءة الحدود في توفير الأمن للمجتمع سوف تتراجع على مقدار القصور الحاصل في الأنظمة الأخرى ، وهذا كله يجعل مسؤولية أمن المجتمع واستقراره مسؤولية عامة يتحملها كل فرد في المجتمع ، كما تتحملها الدولة على مقدار المكنة والتخصص .

4-إذا كانت أنظمة الإسلام متفردة في رؤيتها الكونية وفي منطلقاتها وأهدافها ، فإن مما يضر بتماسكها الداخلي إدخال العناصر البعيدة عن طبيعتها عليها ، وهذا ما يمكن أن نسميه بـ (التلفيق) ، وإن الثقافة الإسلامية تقبل من الجديد ما ينشط وظائفها ، أو يوظف مبادئها ، أو يملأ فراغات وهوامش أوجدتها خاصية المرونة فيها ، فإذا تجاوز الأمر ذلك إلى الجوهر والأنظمة الأساسية ، فإن النتيجة هي ضرب التوازنات العميقة لتلك الثقافة مما يجعلها تنكمش كما هو الكائن الحي حين يُهاجَم وتفرز نوعًا من العطالة الضرورية كيما تحافظ على وجودها وانسجامها .

وإن ثقافتنا الإسلامية تمر بمرحلة عصيبة لا سابق لها في تاريخها المديد حيث يمتلك زمام تثقيف الأمة أناس كثيرون يجهلون ثقافة الأمة ، بل إنهم رضعوا لبان الثقافة المعادية ، ولسنا هنا بصدد بيان ذلك ولا أسبابه ، لكن ما نشاهده اليوم من عمليات التلفيق والتهجين الثقافي كان حصاد مراحل الركود الفكري والحضاري بصورة عامة ، وإذا كان التجديد سنة من سنن الكائن الحي فإنه إذا لم يتوَل التجديد أهله تولاه غيرهم ، فالإنسان بطبعه لا يصبر على طعام واحد ، وهو يستهلك الشعارات والأفكار والنظم الصغرى ، فإذا لم نقم بإثراء ثقافتنا بالدراسات والخبرات وتجديدها وتحريرها من عوادي الانحراف والجمود والتقليد فعل ذلك من لا يُحسنه ، وصار الانسجام والتجديد عبارة عن سمات ظاهرة جوفاء ، أما الجوهر فيشوبه التناقض والتآكل الداخلي .

ولله الأمر من قبل ومن بعد .

(*) من قوله تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [ (سورة البقرة: 208) .

(1) سورة (المائدة: 49) .

#{ وأن تصوموا خير لكم }

كان من منّة الله تعالى على هذه الأمة أن شرع لها من الدين ما يصلح أمر دنياها وآخرتها ، وكان من أهم ما شرعه صوم شهر رمضان المبارك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت