إن فقه التحرك بالمنهج أشق من فقه المنهج نفسه ؛ لأنه يقوم على ركائز عائمة ، وتراكم الخبرة فيه ضعيف لتنوع أحواله وكثرة خصوصياته . ولله الأمر من قبل ومن بعد .
(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء .
(2) ورد في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يرحم الله موسى لو كان صبر لقصّ الله علينا من أمرهما .
(3) فتح القدير .
يقول الله سبحانه وتعالى: { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وجُنُودِهِ قَالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة 249] ، تسلط الآية الكريمة الضوء على قضية مهمة من حياتنا ، هي قضية (الكم والكيف) ، وعلى العلاقة الجدلية بينهما ؛ فحين خرج طالوت لحرب جالوت خرجت معه الألوف المؤلفة من الجند (كم) فأراد أن يعرف عن نوعية الرجال الذين سيقاتل بهم فابتلاهم بالشرب من النهر ، فشرب منه السواد الأعظم منهم ، ولم ينجح في ذلك الامتحان سوى ثلاثمائة وبضع عشر رجلًا - كعدة أصحاب بدر - وكان موقف هذه القلة القليلة من جيش جالوت الموقف الذي يتناسب مع كيفهم ، فقالوا: { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ } ، هذه الفئة القليلة هي الغالبة لما نالت من تأييد الله ونصره ؛ لنصرها دينه واستحواذها على شروط النصر .
وفي ختم الآية: ] واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[ إشارة إلى أن هذه الفئة كانت تتحلى - في جملة ما تتحلى به - بالصبر الضروري لمجالدة العدو .
إن للكيف شأنًا وأي شأن في أوقات الأزمات عامة ومصارعة الأعداء خاصة ؛ حتى إن الرجل ليغالب العشرة من الرجال { إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } [الأنفال 65] . وهذه الدنيا دار ابتلاء ، ومن ثم فإن بني البشر محاطون بكل ما من شأنه أن يكون ابتلاءً لهم ، الزمان والمكان والأشياء والأفكار والأعراض ، وكل ما نتركه غفلًا على حالته الفطرية فهو (كم) يتحدى ، ويضايق ، وقد يشوه ، ويقتل ! ! ومن ثم فإننا نمتلك من القدرة والحرية على مقدار ما نكيفه من تلك الفطريات .
ونحن بني البشر محدودو الطاقات والإمكانات ، ومن ثم فإن توسعنا في الكم لا بد أن يكون على حساب الكيف ، كما أن التوسع في الكيف لا بد أن يكون على حساب التوسع في الكم ، وهذا يوجب علينا أن نتعلم كيف نركز على الكم ، وكيف نركز على الكيف ، ومتى يكون هذا ، ومتى يكون ذاك ؟ وإلا فربما ذهب كثير من جهدنا هباءً !
وعلى سبيل المثال فإن الظواهر الاجتماعية تتكون على سبيل التدرج ، وإذا ما استقرت ، وصارت عرفًا ضغطًا على الناس ضغطًا شديدًا ، وهي لا تعتمد في سيرورتها على الكيف ، لكن على الكم ، ومن ثم فإن القول السائر في صددها يكون باستمرار: الناس يعيبون هذا ، والناس يحبون هذا ، بقطع النظر عن توعية القائلين ، ومن هنا جاء الحديث الشريف: ( من كثر سواد قوم فهو منهم ) [1] حيث إن تكثير السواد في بعض المواقف ، كالمؤتمرات والتظاهرات - مثلًا - يكون هو الهدف مهما كان القصد ! وهذا يعني أن جهدًا كبيرًا ينبغي أن يبذل في اتجاه جعل الدين ثقافة عامة للناس يؤصلون أعرافهم عليها ؛ فلا يصبح المعروف منكرًا ولا المنكر معروفًا ..
وعلى صعيد الكيف فإن باحثًا واحدًا يعد مرجعًا في فرع من فروع المعرفة أجدى على التقدم العلمي من ألوف الملقنين المدرسيين . ونحو من هذه الوظائف الإدارية والقيادية العليا ، فإن شخصًا موهوبًا مؤهلًا واحدًا أنفع من مئات الأشخاص (الخام) الذين يحتاجون إلى من يصرف أمورهم ..
وفي قضايا الفكر والرأي والالتزام قد ننظر للكم تارة وقد ننظر للكيف تارة أخرى ؛ فإذا كان الحق الذي نتبعه قطعيًا - أي ليس مناطًا للاجتهاد - فإن الكم مهدور حينئذ ، وهذا معنى قول بعض السلف: الجماعة أن تكون على الحق ، ولو كنت وحدك . وحين يكون الحق اجتهاديًا فإن الكم حينئذ معتبر ، ومن هنا نشأت أهمية كلمة (جمهور) عند الفقهاء وغيرهم .
إن أمتنا اليوم لا تعاني اليوم من نقص في (الكم) على أي صعيد من الصعد ، لكنها تعاني من نقص شديد في (الكيف) ؛ فنحن اليوم أكثر من خمس العالم ، وأراضينا واسعة شاسعة وخيراتنا كثيرة وفيرة ، لكننا إلى جانب هذا في حالة معيشية مأساوية على أكثر الأصعدة ، فأكثر بلدان العالم الإسلامي مصنفة مع البلدان الفقيرة ، وكثير من شعوبنا يعيش تحت مستوى الفقر ! وأعلى نسبة للأمية موجودة عندنا ! أما الوزن الدولي فنحن جميعًا على الهامش موزعون ما بين شرق أوسط وأقصى وأدنى ، أي أننا نُصنف باستمرار تبعًا لموقعنا في المركز ! !