ومن غير التكاتف لتوسيع السوق الإسلامي وتعاونها لا يمكن لخيرات الأمة أن تُنمى، ويستفاد منها على الوجه المطلوب.
ج. إن أسرار التقنية عند مستوياتها العليا لا تباع ولا تشرى؛ لأن الوصول إليها مكلف للغاية. وإن كثيرًا من الدول الإسلامية مشغول بصرف ما لديه من إمكانات على التوسع في التعليم ومحو الأمية لمواجهة الزيادة السكانية. وهي لا تملك الأموال الكافية للإنفاق على البحث العلمي. ونحن نعتقد أن البطالة سوف تزداد، والأزمات ستتفاقم، ما لم يتم القيام بخطوات جريئة، أهمها زيادة الإنفاق على البحث العلمي، من أجل فتح الأبواب والمسارات أمام التقدم الصناعي. ومن هنا إن بإمكان المسلمين أن يؤسسوا مراكز أبحاث ضخمة متخصصة، تساهم فيها الدول الإسلامية مجتمعة أو متفرقة، ثم توزع نتائجها على الدول جميعها بأسعار تشجيعية وبحسب درجة المشاركة فيها .
وإن من أهم مراكز الأبحاث التي نحتاجها مركزًا للبحث في تقنيات تحلية مياه البحر، وآخر للاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية ، وطاقة الرياح... ومركزًا للبحث في ( الهندسة الجينية) واستنبات وتهجين بذور جديدة تلائم الظروف المناخية الصعبة، ومركزًا للمعلومات والبرمجة، ومركزًا للمواد الجديدة، وآخر للتحكم عن بُعد والأشعة.
وأعتقد أن هذه القضية بالغة الخطورة والأهمية، وهي لا تحتاج إلى تكاليف كثيرة إذا ما اشترك في إقامتها عدد من الدول. إنما الذي نحتاجه دائمًا في مثل هذا الوعي والاهتمام والعزيمة!.
د. لا بد لتحسين التعاون الإسلامي من أيجاد ظروف جديدة، تجعل الناس يندفعون إلى التعاون بصورة آلية؛ فحين تمنح دولةٌ دولةً أخرى سمة ( الدولة الأولى بالرعاية) كما تفعل أمريكا مع الصين مثلًا؛ فإن ذلك يدفع الناس في الدولتين إلى التعامل والتبادل من أجل جني الثمار التي تعود عليهم. وحين تقام منطقة حرة على الحدود بين دولتين، أو تزال الحواجز الجمركية، أو توحَّد التعرفة الجمركية، فإن ذلك كله يدفع الحركة التجارية والصناعية والخدمية إلى الأمام دون الحاجة إلى تذكير الناس بأهمية التعاون؛ حيث المادي أسهل في اللمس من المعنوي !.
إن هناك الكثير من الاقتراحات التي يمكن أن تقال في هذا الصدد، وقد قيل من قبل الكثير . وهناك أمل كبير ي أن تتحسَّن الأحوال في المستقبل، ويكتشف المسلمون أن العون الصادق لن يتلقاه المسلم إلا من المسلم. والله حسبنا.
ذكرت في المقال السابق أن المرء قد يفقد توازنه، ويصير إلى حالة مزرية إذا فقد المحرَّض على التقدم والتطور. ولا تختلف المجتمعات والجماعات في هذا الشأن عن الأفراد، والحقيقة أنه حدث تقدم كبير في العصر الحديث تجاه النظرة إلى الصعوبات والتحديات، فقد كانت النظرة القديمة إلى هذه الأمور تتسم بالسلبية الشديدة، وكان الناس كثيرًا ما يصابون باليأس والإحباط عند مواجهة الشدائد والمشقات. أما الآن فقد اختلف الأمر على نحو شبه جذري، وصار يُنظر إلى الأمور المعاكسة على أنها شرط أساسي لحماية الذات من الترهل والتفسخ. وقد صار كثير من إنجازاتنا مشروطًا بتوفير بيئة محفزة ومحرضة على العمل، وتلك البيئة هي التي لا يجري فيها كل شيء على ما يرام، وننال فيها ما نشتهي، وإنما البيئة التي تتحدى ولا تعجز. إن التحدي الذي نواجهه لا يشكل عقبة بمقدار ما يشكل موردًا لتصليب روح المقاومة والحث على إبداع الحلول الملائمة واستنهاض الهمم لبذل المزيد من الجهد. في الرؤية الجديدة يشكّل الرخاء - كما تشكّل القوة- تحديًّا على الناس تجب مواجهته قبل فوات الأوان.
إن بعض علماء الحضارات يُرجعون تخلف (أفريقية) إلى الرخاء الذي كانت تحظى به، حيث الأنهار الكثيرة العذبة والفاكهة التي لا تجد من يجمعها، وحيث أنواع كثيرة من الحيوانات التي يمكن صيدها بسهولة، بالإضافة إلى اعتدال الجو والذي لا يتطلب التفكير في توفير طاقة للتدفئة. إن سهولة العيش في أفريقية جعلت أهلها لا يشعرون بأي حاجة لتطوير مفاهيم وعادات وسلوكات يواجهون بها الشدائد، كما لم تدفعهم إلى توطين الصناعة والتقدم فيها، فظلت أفريقية بلدًا رعويًّا وزراعيًّا بامتياز. وحين كثر الناس وتنوعت الحاجات وحلَّ الجفاف، وجدوا أنفسهم من غير حول ولا طول.
ويسوق مؤرخو الحضارات مثالًا آخر على خيانة الرخاء هو هذه المرة (إسبانيا) ؛ فقد ظل هذا البلد إلى القرن الخامس عشر في طليعة البلدان الأوروبية في الفنون الصناعية، لكن عثور الإسبان على مناجم الذهب في العديد من دول أمريكا الجنوبية التي استعمروها بعد ذلك أدى إلى فتور همة القوم وشعورهم بالاستغناء عن الجدية في تطوير صناعاتهم. وهكذا انتقلت الريادة الصناعية إلى دول أوروبية أخرى، وصارت (إسبانيا) في مكان قريب من مؤخرة القافلة الأوروبية ومازالت كذلك!.