فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 292

بدر بن يوسف الحمدان

انقشعت غيوم عمليات (منهاتن وواشنطن) مطلقةً رصاصة البداية (لمارثون) المصالح العالمي ، وابتدأت الدول باستنفار جميع الطاقات والإمكانات لتكسب أكبر قدر من الجولات في هذا السباق الطويل ، وكان الرهان الأكبر على الجهود الاستخباراتية المكثفة والاتصالات الدبلوماسية الواسعة ، مما جعل الغموض يتضاعف ، الذي أدى إلى تخبط في اللغة السياسية، واضطراب وكالات الأنباء العالمية!!

بدأ هذا السباق"في ظل سيادة مناخ دموي شكسبيري يطيح بالروحاني لمصلحة الانتهازي ، لكي تسود اصطفافات قرصنية جديدة تلعب فيها السياسة الأمريكية دور العرّاب في تصدير المعايير والأحكام محوّلين النظام العالمي الجديد إلى بدلة على مقاساتهم النفعية" (1) مسترجعين بذلك خلفيتهم الذهنية لرعاة البقر (الكاوبوي) في صحاري تكساس .

وشعوبٍ ضعيفة تتلظّى**في جحيم الآلام عامًا فعاما

والقوي الظلوم يعصر من**آلامها السود لذةً ومُداما

يتحسّاه ضاحكًا لايراها**خلقت في الوجود إلا طعاما

وهكذا بدأت الأيدي تمتد لنيل أكبر قطعة من كعكة (الحادي عشر من سبتمبر) ؛ فبعضها امتدت بطرق مشروعة وبعضها بطرق ميكافيللية حمراء ... فلا تسل عن الخيانات ، ونقض العهود ، وجزاءات سنمّار !! ...، وبالطبع كانت هذه الأجواء هي المفضلة لدى اليهود والنفعيين البراجماتيين عمومًا ، الذين لا يردعهم خلق ولا دين؛ لذلك كانت مغانمهم كبيرة، واستغلوا الكثير من المواقف لصالحهم بخبث ...وذكاء أحيانًا!

في هذا الجوّ الاستنفاريّ العارم ، وفي هذا الوقت بالذات ، الذي تحتاج فيه الأمة أن تقف على قدميها ، نجد أمراضًا تفشت بوضوح في هذا الكيان ، من أجل مزيد من العرقلة والتقهقر ... كصاحب الصدر المريض ، قد يتنفس الصعداء في الأجواء السليمة ، ولكن الرياح والأغبرة تكشف عن مرضه وتكرّس تدهوره.

ومن تلك الأمراض التي ظهرت في هذه الأزمة أمراض التفكير ، بل قل إن شئت أزمات التفكير ... أزمات تتكرر من مأزق لآخر، وكأننا لم نسمع يومًا بحديث الهادي البشير صلى الله عليه وسلم: (لايلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) . (2)

فالتفكير السليم هو الخطوة الأولى للتصرف السليم بإذن الله ، وبعد معرفة مكامن المرض تبقّى توصيفه بدقّة ثم معالجته ؛ ومن تلك المكامن المريضة:

1-وهم الكمال:

إننا لم نرث عصا موسى ولا ملك سليمان ، ولا نملك صناديق سحريّة نخرج منها مانشاء ... وليس لدينا (سوبرمان نيتشوي) يملك جميع الحلول لجميع المشاكل ، ولا يصح أن يعتقد إنسان أنه حاز كمال الدين والدنيا ، ولا يمكن أن يخطىء وليس بحاجة لتصويب أحد أو تعليم من الآخرين ...

هكذا البشر ليسوا كاملين مستغنين عن التفكر والاعتبار ، والإنسان يبقى متعلّما"من المحبرة إلى المقبرة"كما قال الإمام أحمد رحمه الله ؛ وإن من أهم سلبيات"الفلسفات التقليدية القديمة - من أفلاطون إلى كنْت- اعتبار العقل حائزًا على استعدادات ذهنية لا أثر للتجربة ولا حتى لتطور المعارف عليها" (3) ، ونحن اليوم"كثير من تصرفاتنا وسلوكاتنا ومواقفنا محكومة بميولنا ورغائبنا وأحيانًا بأوهامنا ! ... لأننا غير مهتمين ببذل الجهد في كشف سنن الله الكونية" (4) والاستفادة والاعتبار منها.

ألم يحثنا الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز على التفكّر والاعتبار ؟!

(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزّل إليهم ولعلهم يتفكّرون) النحل 44 ، (إن في ذلك لآية لقوم يتفكّرون) (النحل 69) ، (فاعتبروا يا أولي الأبصار) (الحشر 2 ) ، (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (الأنعام 11)

وهنا تتمايز المواقف: فالتصرفات والسلوكات المبنية على سنن الله تأخذ طريقها للنجاح تلقائيًا ، أما المبنية على العواطف والرغبات المجرّدة فتأخذ طريقها للإخفاق ؛ فإلى أي الفريقين نميل ؟!

2-أزمة اختزال:

هذا الكون الواسع الكبير بتنوّعه وثرائه ، وما دار على مسرحه من تاريخ البشريّة المديد ، يوحي للإنسان بعظمة الخالق سبحانه وتعالى ومدى التنوّع الهائل الذي قامت عليه هذه الحياة ... فلو نظرنا لمخلوق مثل الإنسان ، نجده ذلك الكائن المعقّد المركّب من: عقل وشهوات وغرائز وميول وعواطف وقيم ومبادىء ...إلخ.

لذلك فالمنطق الصحيح يقتضي أن يرى الإنسان حوادث البشر ويقيّمها من أكثر من جهة حاسبًا حساب هذا التنوّع والاختلاف ، أما الرؤية الاختزالية ذات الجهة الواحدة فهو منطق خاطىء مصيره الفشل لأنه مخالف لسنن الله تبارك وتعالى في هذا الكون.

فالأزمة الواحدة قد تشتمل على عدة حوادث ، وهذه الحوادث تختلف نسب الخير والشر فيها ، فبعضها يغلب فيه الخير ، والبعض الآخر يغلب فيه الشر ، وقد يتساويان ، وقد يجهل الإنسان الكثير من المعطيات لسبب أو لآخر ...فهل من المنطق السليم أن يقال: إن الأزمة الفلانية كلّها خير أو كلّها شر ؟!

إن التعميم والإطلاق أدوات غير مؤهلة لتناول الظواهر الكبرى بشكل إيجابي فعّال ، وقد جاءت الأزمة الراهنة لتنادينا بصوت عالٍ وتقول: إن الألوان ليست أبيض وأسود فقط ... بل هناك ألوان أخرى كثيرة!

3-الانشغال بالقشور:

"في عام 1946م أجرى (سلومون أش) تجربة سأل فيها بعض الناس رأيًا في شخص وصفه بأنه: ذكي ، مجتهد ، مندفع ، ميال للنقد ، عنيد ، حسود. وسأل أناسًا آخرين السؤال نفسه لكنّه بدأ بالصفات السلبية: حسود ، عنيد ، ميال للنقد ... .، وكانت النتيجة أن الفريق الأول كوّن آراءًا أكثر إيجابية عن الشخص من الفريق الثاني" (5) ذلك أن الصفات الأولى كانت إيجابية فأثّر الانطباع الأولي (القشرة) على الحكم النهائي (اللبّ) .

ولعبة المصطلحات من أهم أساليب التأثير على الصورة الذهنية للإنسان ، ففرق بين كلمة"قُتل"و"استُشهد"وفرق بين"رجل دين"و"عالم شرعي"وفرق بين"الإرهاب"و"الأمن القومي"... وغيرها الكثير من ألاعيب المصطلحات التي تصرف الإنسان عن تصوّر (لبّ) المسألة تصوّرًا سليمًا.

ومن أساليب توجيه العقول للقشور ، أسلوب تأثير الهالة ؛ فقد ننظر لموضوع معيّن من خلال زاوية واحدة من زواياه ضُخّمت عن حجمها الفعلي وأعطيت هالة كبيرة وبرزت بفعل فاعل ، فصرفتنا عن النظر للموضوع بزواياه مكتملة ... أو لأن تلك الزاوية المبرزة أشبعت عواطفنا ، أم لأنها لامست أنساقًا معينة لدينا ...إلخ.

هذه الألاعيب (الانطباع الأولي، لعبة المصطلحات، تأثير الهالة) وغيرها تمارس علينا بشكل يومي خصوصًا من قبل وسائل الإعلام ، وتستخدم كثيرًا في لغة الاتصال السياسي ، فعلينا الانتباه لهذه الحيل ، لأنها كثيرًا ماتنجح وتبعدنا عن (لب) القضايا وتصرفنا نحو (القشور) .

إن هذه التوصيفات البسيطة ماهي إلا غيض من فيض ونحن بحاجة دائمة للمراجعة المستمرة ، والنظر في التاريخ والاستفادة منه ، والنظر في سنن الله تعالى في هذا الكون والاعتبار بها ، من أجل وعي إيجابي أكثر ، لرفعة هذه الأمة المباركة وتمكينها.

ولاتأس من حادثات الدهور **فخلف الدياجير فجر جديد

ولولاغيوم الشتاء الغضاب **لما نضّد الروض تلك الورود

ولولا ظلام الحياة العبوس**لما نسج الصبح تلك البرود

(1) الحياة ، الملحق السنوي ص 18

(2) رواه مسلم ، المختصر برقم 44

(3) سالم يفوت ، العقلانية المعاصرة ص 65

(4) عبد الكريم بكار ، تجديد الوعي ص 40

(5) عبد الكريم بكار ، العيش في الزمن الصعب ج2 ص 68

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت