2.قد نجد بعض الرسائل التي توجه النقد إلى بعض الانحرافات العقدية أو الخلقية، لكن من النادر أن نجد كتابًا ممتازًا يضع أصبعه على العلل والأخطاء الخفية التي أدت إلى تشويه المركب العقلي لكثير من الأفراد والجماعات، وحرمت الأمة بالتالي من عطائهم وحيويتهم. وقلما تجد كتابًا ينظِّر لكشف الفساد المتأصل في السلوك، والبحث عن جذوره وقواعده الفكرية والأخلاقية، وكشف القوى الداعمة له والمستفيدة منه.
وأعتقد أن حجم انتشار الفساد الإداري والسياسي والأخلاقي والمهني في العالم الإسلامي يحتاج إلى مئات الكتب والبرامج والمقررات الدراسية حتى يمكن الحد منه وإيقافه عند حدود معينة!
3.العقلانية شيء نسبي، وللرجل العقلاني العديد من السمات، لكن هناك سمة مهمة جدًا، هي أن الرجل العقلاني يحاول دائمًا أن يوفق بين درجة الشدة التي يستمسك بها في منطلقاته وأفكاره المختلفة، وبين حجم البراهين والأدلة المتوفرة لكل منطلق وكل فكرة. وعلى هذا فإن (اللا عقلانية) تعني التمسك بأفكار لا تسندها البنية والمعطيات المعرفية القائمة. وإذا سلطنا الضوء على واقعنا وجدنا أن غلبة العاطفة علينا وسيطرة سرعة التصديق وضيق مساحات المفاتحة والمصارحة... كل ذلك جعل الكثير من الناس يندفعون على نحو مثير إلى استخراج نتائج عامة من معطيات جزئية، ثم السعي إلى تعميمها وإقناع الناس بها. ونحن إلى جانب هذا مولعون بسن القوانين، وإطلاق التعريفات الجامعة المانعة -كما يقول المناطقة- دون استقراء جيد، ودون وعي بخطورة ذلك على طلاقة الخيال وأثره في إغلاق الأبواب المفتوحة. النقد الذاتي يجب أن يوجه إلى هذا النوع من القطع في الآراء والأحكام دون الإحساس بالوقوف على أرض صلبة.
الملكة النقدية تحتاج إلى حماية، وخير حماية لها تكمن في ممارسة النقد والاحتفال به. إن النقد لا يحيا إلا بالنقد ومجادلة الفكرة بالفكرة والطريقة بالطريقة، كما أن الأخطاء النقدية تصحَّح من خلال ممارسة المزيد من النقد.
د. عبد الكريم بكار
حول أداء الصحوة في المرحلة الماضية.
إن الصحوة الإسلامية المباركة أو حركة الإحياء الإسلامي -كما يحلو للبعض أن يسميها- رحمة عظمى من الله -تعالى- لهذه الأمة، حيث انبعثت معاني التدين في نفوس الناس بعد خمود دام قرونًا، ونشأ وعي عميق بأهمية الإيمان والالتزام والعمل للآخرة. وإذا أردتَ أن تتعرف على أهمية شيء فقم بحذف وظائفه ومنجزاته حتى يتبين لك حجم الفراغات التي كان يملؤها ذلك الشيء. ولو أنك أسقطت من هيكل الأمة هذه الملايين من الشباب الملتزم النقي والجاد، وأسقطت منه العمل الخيري والدعوي والإغاثي، وتخيلت تدينًا أقل عمقًا وانتشارًا في الأمة.. لو أنك فعلت ذلك لأدركت حجم الإضافة الذي تمثله الصحوة لهذه الأمة. هذا لا يعني -بالطبع- أن الصحوة على ما يرام، كما لا يعني أنها فعلت كل ما يمكن فعله، فالنقص ملازم للبشر، ورضانا عن أداء فرد أوجماعة أو شعب يجب أن يتشكل في ضوء الظروف والإمكانات والأدوات المتاحة.والصحوة نشأت، واستمرت في ظروف داخلية وخارجية صعبة، ومع هذا فإن عطاءاتها لا تعد قليلة في أي معيار من المعايير. وقد حافظت الصحوة على ذاتية الأمة في وجه الفكر الليبرالي والفكر الشيوعي، على الرغم من ضعف وسائلها وكثرة المعوقات التي تقف في طريقها.
حول تجديد خطاب الصحوة:
يمكن القول: إن الصحوة الإسلامية المعاصرة بدأت بعد هزيمة (1967م) أمام اليهود، فبتلك الهزيمة النكراء نفض الناس أيديهم من التيارات العلمانية والاشتراكية والقومية، واتجهوا إلى الإسلام بوصفة الملاذ والخيار الأخير؛ وهذا يعني أن مشروعية الصحوة وجاذبيتها في نظر الناس ستظل مرهونة بإنجازاتها، وإلا انصرف الناس عنها إلى غيرها. وهذا شيء يجب أن يولّد فينا الحذر والحرص والغيرة.
تجديد الخطاب الإسلامي يعني تجديد المفاهيم والرؤى والمقولات التي يعبر عنها الخطاب الدعوي والإصلاحي، حتى الجوانب الشكلية من ذلك الخطاب لا تتطور إلا إذا طوّرنا رؤيتنا للأسلوب الدعوي، واكتشفنا العناصر التي تجعله أشد تأثيرًا وأكثر فاعلية. ويؤسفني القول هنا: إن لدينا فقرًا لافتًا في أعداد ومستويات الذين يشتغلون على توليد المفاهيم وتعميقها. وفي ظروف بالغة التعقيد والالتباس يكون إبداع المفاهيم عن طريق التأمل والاستبصار الذاتي بعيدًا عن البحث المنهجي المحترف والأصيل - عاملًا في بلبلة الخطاب وطمس مشكلاته الجوهرية عوضًا عن الكشف عن آفاق نموه وتطويره. وإذا تساءلنا عن مراكز البحوث والدراسات التي يتم من خلالها فهم الصحوة وإمكاناتها وفرصها وأزماتها لما استطعنا وضع اليد إلا على القليل منها. وهذا يشكل في حد ذاته قضية مهمة تستحق التوقف والاهتمام.
سيكون في إمكاننا التحدث عن خطابين للصحوة:
الأول: خطاب داخلي موجّة لأبناء الصحوة، ويعنى بشؤونها وشجونها الخاصة. وأتصور أن هذا الخطاب ينبغي أن يقوم على الأسس التالية:
1-اعتماد النقد الذاتي بوصفة الوسيلة الأساسية لإصلاح عيوب الصحوة وتجديد أبنيتها.