فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 292

إن من واجب الباحثين التربويين أن يثروا الساحة بالكتب التي تعالج المشكلات التربوية المتفاقمة، والكتب التي تيسر الثقافة التربوية، وتنشرها. ومن واجب الآباء أن يغيروا نظرتهم للعمل التربوي، فيجعلوه قائمًا على العلم والمعرفة عوضًا عن أن يظل أسيرًا لعادات وتقاليد مملوءة بالأخطاء الجسيمة.

من أجل تنمية الشخصية وصقل المهارات لا بد من نقد ذاتي يتجاوز العثرات ويتطلع إلى الارتقاء. فهل لديكم أفكار جوهرية يرتكز عليها إحياء روح النقد في الأمة؟

النقد مظهر من مظاهر استيقاظ الوعي، فالحضارات حين تدخل في مرحلة التراجع والأفول يسيطر على مثقفيها الانشغال ببيان الإنجازات التي حققها عظماؤها بدل البحث في مسألة استعادة ما فقدوه وتعويض ما فات. يعني النقد وعي الوعي بذاته وقدرته على تجاوز النماذج الشائعة، والعودة إلى الأصول والأهداف الكبرى في كل المسائل التي تحتاج إلى إعادة نظر. ويعني النقد كذلك أن الوعي ما زال يحتفظ بطاقة التمنع على الاندماج في الموضوع، كما يعني أنه متحرر إلى حد ما من أسر البرمجة التي يهيئها الأعداء والعملاء والمنتفعون من وراء انتشار الفساد، وغياب موازين الحق والعدل.

لا يشكل النقد أمرًا ثانويًا أو ترفيهيًا في حياة الأمم، وليس غيابه شيئًا يمكن الاستعاضة عنه بأعمال أخرى؛ إن النقد هو جزء أصيل من أي عمل عظيم يراد له الاستمرار والارتقاء؛ فنحن بشر نصيب ونخطئ، والتخلص من الأخطاء لن يبدأ إلا من خلال تسليط أشعة النقد عليها، لكن مما يؤسف له أن الذين يمارسون النقد يلقون الكثير من المشكلات، مما دفع جل الناس إلى إيثار الصمت. وتجاوزه بعضهم إلى تزيين الخطأ وتلميعه، مما جعل المشكلات في عالمنا الإسلامي تتراكم وتتناسل، لتصبح بمثابة أوبئة مستوطنة، إن كثيرًا من الأخطاء والخطايا التي نقع فيها ليس مصدره الجهل وقلة الخبرة، وإنما مصدره الهوى والرغبة الجامحة في تحقيق المصالح الخاصة، مما يعني أن تكرارها هو المتوقع نظرًا لديمومة أسبابها. والذي يساعد على تحجيمها هو الاستمرار في نقدها بشتى الوسائل وشتى الطرق؛ فالأخطاء لا تتبدى دائمًا للعيان، ولا تتلبس بلبوس واحد؛ مما يعني ضرورة الاستمرار في كشفها ومواجهتها.

ومن وجه آخر فإن أبنيتنا الفكرية ومقولاتنا وملاحظاتنا النقدية والإصلاحية لا تحتفظ بقوتها وطفوها على سطح الوعي من غير رعاية وحياطة وتدعيم؛ فالتجارب الحضارية للأمم تدل بوضوح على أن البناء الفكري -على خلاف ما يبدو- هش، ويمكن لما تركمه حركة الزمان من تقاليد وعادات، وما تطوره من ثقافات أن يشوه أي بناء فكري مهما كان في الأصل راسخًا وشامخًا؛ والنقد هو الذي يجدد الأبنية الفكرية حين يصقلها، ويجعلها في حالة من التوهُّج واللمعان. ولنا أن نذكر في هذا السياق أفول الإشراقات الفكرية الرائعة التي كانت تضيء سماء الحياة الإسلامية في القرون الخمسة الأولى من تاريخ الإسلام؛ ولما ساد التقليد وحورب التجديد وركدت سوق النقد أخذت الأمية الفكرية والحضارية تستعيد ما فقدته من أرض ونفوذ.

دعني الآن أشير إلى بعض الجوانب التي لم تنل حظها من النقد في الساحة الإسلامية. ولا يعني أن ما سنذكره هو أهم الجوانب، لكنه من أهمها:

1.كثيرًا ما نشعر أن المجال الحيوي الصالح لحركتنا ضيق ومملوء بالعقبات... والحقيقة أن هذا الشعور لا يحكي الواقع بمقدار ما يحكي انطباعاتنا، وهذه الانطباعات سببها ضعف (الروح العملية) لدينا، فنحن نملك قدرة على التنظير وشهية للتمني غير قابلة للاستنفاد. الخيال قد يتيح لنا ارتياد آفاق الممكن، لكن الذي يكشف احتياجات العمل والحركة والعقبات التي تقف في طريقنا، وما يمكن أن نؤمله من تحركنا هو العمل نفسه والحركة ذاتها.

إن العمل هو الذي يعقل جموح الخيال، وهو الذي يدلنا على الطرق المسدودة، إلى جانب أنه يحطم أغلال الأوهام. وهو في الوقت نفسه الذي يفتح أبوابًا للنمو والتغيير كنا نظن أنها مغلقة. ويقترب من هذا ما نجده لدى الكثير من الأخيار من الحماسة المشتعلة للقيام بالكثير من الأعمال، لكن دون محاولة التأهل لأداء القليل منها. وكثيرًا ما يغيب عن أذهاننا أن لكل عمل أسلوبه الفني الذي يجب أن يتبع في أدائه وتنفيذه. إن مشكلة كثير منا أنه لم يدرك ما طرأ من تعقيد وصعوبة على شروط الأداء الناجح في أجواء المنافسة العالمية المحمومة، ولذا فإنه يتصور أن ما كان كافيًا من كفاءة وأهلية ووسائل قبل ربع قرن هو كاف الآن!

ربما كنا بحاجة إلى تقاليد ثقافية تؤكد على أن قيمة الفكرة وصوابها لا ينبعان من تناسقها ومدى إقناعها فحسب، وإنما من مدى توفر الأسلوب والإطار والوسائل المطلوبة لتنفيذها. وهذا من مهمة النقد الاجتماعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت