هـ- إن الهدف الأساسي من كل ما نتلقاه من تعليم وتدريب ، ليس أن نتمكن من سرد المعلومات عن ظهر قلب ، ولكن أن نحاول ترشيد أحكامنا العقلية ، التي نستند إليها في كل القرارات التي نتخذها في جميع مجالات الحياة . وهذا يعني أن على التربية والتعليم استهداف تكوين (العقل المثقف) وهو ذلك الذي اجتاز عددًا كبيرًا من حالات التدرب على التفكير المستقيم ، والذي يستطيع استخلاص نموذج خاص وملامح محددة من خلال استعراض عدد كبير من وجهات النظر المختلفة في المسألة الواحدة . وهذا يعني الاطلاع على مقولات كثيرة في الموضوع الواحد ، وتدريب الذهن على الاستفادة من تلك الموضوعات في بلورة رؤية خاصة متماسكة [5] .
كان أفلاطون يرى أن من الضروري أن يكون للعقل نوع من الاستقلال النسبي عن الوسط الذي يعيش فيه [6] . وهذه الوضعية في تصوري مما يجب أن تشملها جهود توسعة قاعدة الفهم ، وتربية العقل المثقف ؛ إذ إن توحد عقول الناشئة مع الأوساط والبيئات التي يعيشون فيها ، سيؤدي بهم إلى أن يصبحوا (إمّعات) لا يحسنون سوى التقليد ، لكن حين يشجعون على إبداء وجهات نظر مغايرة لما هو سائد ، فإنه سيتكون لديهم عقل ناقد ، وسيكون ذلك مصدرًا لتجديد متوازن . إن تثقيف العقل وتدريبه على إصدار الأحكام ، يشبه تقوية العضلات ، حيث يمكن بعد تقويتها أن نستفيد منها في أي عمل يتطلب القيام به استعمالها . إنه يمكن تنمية (العقل المثقف) بطرق عديدة ، منها تهذيب قوى الملاحظة المميزة ، وتقوية ملكة المنطق ليتمكن الفرد من تتبع الحجة نقطة بعد أخرى ، وبالعمل على إنضاج القدرة على المقارنة .
إن بإمكان الدراسات اللغوية والعلوم الطبيعية أن تنمي عادات الملاحظة الدقيقة ، وإن الرياضيات هي المدرب التقليدي لملكات التفكير . أما التاريخ والدراسات الأدبية ، فهي تسهم في تنمية القدرة على الحكم [7] .
(1) حاولنا في كتاب (فصول في التفكير الموضوعي) تسليط الضوء على شيء من ذلك .
(2) قاموس جون ديوي للتربية: 130 .
(3) العرب وعصر المعلومات: 394 .
(4) قصة الفلسفة: 494 .
(5) انظر الثقافة الفردية وثقافة الجمهور: 83 .
(6) الدروس التي تتعلمها التربية من علم النفس: 138 .
(7) المصدر السابق: 139 .
يعيش العالم المتقدم أزمة حضارة بسبب افتقاده الوجهة أو الهدف الأكبر الذي يجذب إليه جميع مناشط الحياة ، ويمنحها المنطقية والانسجام . أما المسلمون فأزمتهم الأساسية ، هي أزمة حركة في العالم ، وأزمة شهود على العصر ؛ فهم في أكثر الأحيان يتأثرون ، ولا يؤثرون ، ويأخذون من الحياة أكثر مما يعطونها ؛ وذلك بسبب انخفاض إنتاجيتهم ، وضعف إدارتهم لإمكاناتهم الشخصية والعامة . نقرأ آيات الاستخلاف وشروط التمكين في الأرض ، وأدبيات النجاح والفلاح ، لكنّ قليلين منا الذين يسألون أنفسهم عن وظيفتهم الشخصية في تحقيق كل ذلك !
إن الأماني الوردية حول قيادة أمتنا للعالم تداعب أخيلة الكثيرين منا ، وتدغدغ مشاعرهم ، لكن لا أحد يسأل عن آليات تحقيق ذلك ، ولا عن الإمكانات المطلوبة للسير في طريقه !
إني أعتقد أن هناك حقيقة أساسية غائبة عن أذهان الكثيرين منا ، هي أننا لا نستطيع أن نوجد مجتمعًا أقوى من مجموع أفراده ؛ ولذا فإن النهوض بالأمة يقتضي على نحوٍ ما أن ينهض كل واحد منا على صعيده الشخصي ، وما لم نفعل ذلك ، فإن الغد لن يكون أفضل من اليوم .
إن رسم الأهداف نوع من مدِّ النظر في جوف المستقبل ، وإن الله جل وعلا يحثنا على أن نتفكر في الآتي ، ونعمل له: { يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [الحشر: 18] إن المسلم الحق لا يكون إلا مستقبليًا ، ولكننا بحاجة إلى أن نعمم روح الالتزام نحو الآخرة على مسلكنا العام تجاه كل ما يعنينا من شؤون وأحوال .
أهمية وجود هدف:
من الأدوات الأساسية في تحسين وضعية الفرد أن يكون له هدف يسعى إلى تحقيقه . ونرى أن حيوية وجود هدف واضح في حياتنا تنبع من اعتبارات عديدة ، أهمها:
1-إن كل ما حولنا في تغير دائم ، والمعطيات التي تشكل المحيط الحيوي لوجودنا لا تكاد تستقر على حال ، وهذا يجعل كل نجاح نحققه معرضًا للزوال ؛ ووجود هدف أو أهداف في حياتنا ، هو الذي يجعلنا نعرف على وجه التقريب ما العمل الذي سنعمله غدًا ، كما أنه يساعد على أن نتحسس باستمرار الظروف والأوضاع المحيطة ؛ مما يجعلنا في حالة دائمة من اليقظة ، وفي حالة من الاقتدار على التكيف المطلوب .