إن توسيع قاعدة الفهم ، يتطلب منا أن نؤكد دون ملل على ضرورة وضع معارفنا وأفكارنا في موضعها الصحيح من جسم المعرفة البشرية المنظمة ، والسائدة اليوم ، وأن ننظر بجدية إلى خطورة ما نجهله حول كل قضية من القضايا المعاصرة . وأرى في هذا السياق أن قدر العالم وفضله لا ينبعان من كثرة ما يعرف ، وإنما من حدسه بما لا يعرفه وتقديره له ، وأخذه بعين الاعتبار عند إصداره الأحكام .
إن صاحب الفهم الصحيح ، يحاول دائمًا أن يجعل أفكاره متساوقة مع حجم البراهين المتوفرة لديه ، فعلى مقدار صلابة المعلومات والبراهين تكون صلابة الأفكار ودرجة الوثوق بها . وإذا نظرنا في واقع عالم الأفكار لدى كثيرين منا ، وجدنا أن درجة الوثوق واليقين كثيرًا ما تكون متقدمة على ما هو متوفر لديهم من أدلة وبراهين ومعلومات ؛ مما يجعلهم في حالة دائمة من الاضطراب والتشوش ، ومما يجعل خيبة الأمل حليفة لهم !
د - حتى تتسع قاعدة الفهم لدى الناشئة ، فلا بد من إكسابهم (المرونة) الفكرية ، وسرعة استيعاب المتغيرات الهائلة التي تجتاح العالم . إن شاب الغد يحتاج إلى أن يكون مستعدًا للتنقل الجغرافي من أجل طلب الرزق ، فمنطق العصر هو (الترحال) بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى . ويجب أن يكون أيضًا مستعدًا لتغيير اختصاصه ومهنته بحسب ما يتوفر من فرص العمل . وبحاجة إلى تغيير مفاهيمه عن أشياء كثيرة محيطة به [3] . وهذا كله يحتاج من الشاب أن يمتلك المرونة الفكرية والنفسية . لعل مما يساعده على اكتساب هذه المرونة أن ينظر إلى أن الاستجابة للتغيير ليست عبئًا خالصًا ؛ فهي بما تتطلبه من التكيف ، تخلص الإنسان من الملل والسأم ، وتخلصه من كثير من الواقع السيئ الذي يعيشه ؛ فالتغيير حين يقوده مسلم ، يكون بإذن الله نحو الأحسن والأفضل .
مما يسهم في تكوين المرونة الذهنية لدى الأطفال ، جعلهم يدركون جملة الفروق والاختلاف بين بني البشر ، وأنه لا يمكن جعلهم نسخًا مكررة بعضهم عن بعض في كل أمر ؛ بل إن الله جل وعلا خلقهم مختلفين ليكمل بعضهم بعضًا على جميع المستويات: { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا } [الزخرف: 32] . ففي الاختلاف ثراء وتنوع وإخصاب وتعاون ، وهو عامل أساسي في توازن الحياة العامة . إن فهم الناس العميق للحياة ، بكل ما فيها من تعقيدات وتشابكات بهدي من المنهج الرباني ، وبتبصير من الخبرة ، سوف يخفف إلى حد بعيد من الشعور بالألم ، ومن التلاوم ، وسوف يجعل أحلامهم ممكنة ، وخيالهم معقولًا بعقال ما يمكن توقعه ؛ أي سيكونون أقرب إلى الحكمة . وكما كان يقول (نيتشة) : (إن النمو في الحكمة يقاس بدقة بانخفاض المرارة) [4] .
ولا ينبغي أن نهمل في هذا الصدد مساهمة معرفة حدود (الجائز والممنوع) في مسألة المرونة ؛ فحين يتضح للمرء بجلاء ما هو جائز ، ويتميز عما هو محظور وممنوع ، فإنه يقبل بجرأة كل الأشياء التي تدخل في حيز المباح ، مهما كانت صورها وأشكالها ، ومهما كانت غريبة وغير مألوفة . ومشكلة معظم الشعوب المتخلفة خلو خبرتها ووعيها من الجذور الفاصلة بين الجائز والممنوع على المستوى القانوني على الأقل ؛ حيث إن لديها إلى جوار كل قانون مكتوب قانونًا غير مكتوب ؛ مما جعل لدى الناس أنواعًا من الخوف غير المسوّغ ، وأحدث حالة من الإحجام المبهم ، كما أنه تسبب في تورط بعض الناس في أمور ، كانوا يظنون أنها من قبيل المباح: وهذا هو السر الأكبر القابع خلف سلبية الإنسان لدينا !
مما ينمي خبرة التفريق بين الجائزات والممنوعات ، أن نستمع بأذن صاغية ، وبعقل مفتوح لكل ما يُطرح من أفكار ، وأن نتقبله على أنه اجتهاد ، ما لم يصادم إجماعًا أو نصًا قطعيًا ؛ فالأفكار لا تنضج ، ولا تتبلور ما لم تلكها ألسنة المناظرة .
من خلال الحوار والنقاش والمفاتحة ، ومن خلال الوقوف على الأهواء والأخطاء ، بنصر طريقنا إلى المنظور الكلي الذي هو الحقيقة . ولا ريب بعد هذا وذاك في أن سعة الفهم ، لا تؤدي إلى الاتفاق في الآراء ، لكنها تمنح الأساس للاختلاف ، أي تجعل الاختلاف مؤصلًا واضحًا ، وتجعل ما يتم من اتفاق متينًا ؛ لأنه يقوم على قواعد فكرية ومنهجية صحيحة . ونستفيد من ذلك التسامح والتعاطف المتبادل في حالة الاختلاف ، والتعاون والمشاركة في حالة الاتفاق .
إن الإنسان كائن قابل للتعلم ، بل إن الإنسانية كلها ، تظل تتعلم باستمرار ، وإذا تملكتنا هذه الفكرة ، فسوف نعرف كيف نكتسب المرونة ، وكيف نستخدمها في تحسين نوعية الحياة .