إنني أعتقد أن شعيرة الزكاة جزء من النظام الاقتصادي الإسلامي وهذه الشعيرة لا تحقق أغراضها بكفاءة إلا إذا اشتغلت باقي أجزاء النظام مثل: القرض الحسن، والكفارات، وتوفير فرص العمل، و... على نحو جيد. والنظام الاقتصادي هو الآخر جزء من النظام الإسلامي العام، فإذا كان هناك فساد إداري أو سياسي، أو كان هناك ظلم اجتماعي فادح، أو تحلل أخلاقي؛ فإن النظام الاقتصادي لا يعمل بالكفاءة المنشودة. ومع كل هذا فإن الأعمال الخيرية لا تشكل متن الكفاية المعيشية لأحد، وإنما هي عبارة عن كرّة أخرى من أجل تلافي قصور النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في توزيع العدالة. إنها تساعد النظم المعمول بها، وتسد فجواتها لكنها لا تكون أبدًا بديلة عنها. ويجب أن يكون هذا واضحًا.
6-لنا أن نتساءل: هل قضى عمر بن عبدالعزيز على الفقر -على رأي من يدعي ذلك- بسبب صلاحه وتقواه أو بحسب حسن إدارته؟ إن كان ذلك بسبب صلاحه وتقواه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم- ثم الخلفاء الراشدون أفضل منه وأصلح. وإن كان ذلك بسبب حسن إدارته وتدبيره، فعمر بن الخطاب حكم أضعاف مدته وهو الإداري والاستراتيجي الأول، ومع هذا فلم يتم القضاء على الفقر في عهودهم الميمونة.
7-إن الله- تعالى- جعل الحاجة والعوز ونقص الأموال أداة ابتلاء واختبار لعباده، وسوف تستمر هذه الأداة إلى أن تنتهي حياة البشر على هذه الأرض؛ قال سبحانه: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) [سورة البقرة:155] .
إن هذا التفنيد لتلك المقولة على هذا النحو من التدقيق والتفتيش يستهدف تمرين الذهن على النظر العميق وتحريضه على عدم الاستسلام للمقولات الشائعة، كما أنه يستهدف تكوين بنية عقلية معقدة، تتجافى عن السطحية والتحليلات المستعجلة.
والله الهادي إلى سواء السبيل.…
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإنه ما اجتمع لفيف من المهتمين بالدعوة، والغيورين على صلاح الناس إلا دارت بينهم أحاديث ومجادلات وشكايات حول عجز الدعاة عن امتلاك الوسائل الدعوية التي يتمكنون من خلالها من نشر أفكارهم وتعميم مبادئهم ومقولاتهم. ونحن لا نملّ من المقارنة بين تخلف وسائلنا وتقدم وسائل الآخرين من منافسين ومعادين، ولسنا في ذلك - في كثير من الأحيان- مخطئين أو مبالغين؛ إذ مما لا شك فيه أن العمل الدعوي يعاني من نقص ظاهر في الوسائل التي يمكن أن تستخدم في تبليغ رسالة الإسلام، حيث إنك لا تكاد تجد فضائية إسلامية ذات تميز واضح وجاذبية عالية، كما أنك لا تجد شيئًا من ذلك في مجال البث الإذاعي أو في مجال الإعلام المقروء، فالمجلات والجرائد الإسلامية قليلة العدد نسبيًا، ومستوى معظمها على المستوى المهني يتردد بين المتوسط والضعيف، ولا يختلف الشأن في (خطبة الجمعة) حيث إن الخطباء القادرين على تشخيص الحالة الإسلامية ووصف العلاج لها قليلون جدًا، لكن مع هذا فالمهم دائمًا أن ندرك الأسباب الجوهرية لما نرى من ظواهر ووقائع ومشكلات، ولما نشكو منه من قصور ومنغصَّات وأزمات. ومع أن تخلف المسلمين وضعف مؤسساتهم المختلفة سينعكس ولا ريب على كل الوسائل التي بين أيديهم في كل شؤون الحياة، إلا أن ذلك ليس هو السبب الجوهري في تخلف الوسائل الدعوية، وإنما يكمن السبب الأساس في أن معظم الدعاة لا يملكون الأهداف الواضحة لحركتهم الدائبة. الهدف الجيد الواضح والمدروس يجعل من نفسه أداة لتحريض الذين بلوروه على إيجاد الأساليب والوسائل التي تبلَّغهم إياه، وإن كثيرًا من الأهداف الدعوية لا يفعل ذلك لأنه لا تتوفر فيه سمات الهدف الجيد، ومن ثم فإنه يُدرَك بطريقة مبتذلة أو بطريقة غامضة، مما يفقده سمة التحريض التي أشرنا إليها.
أزمتنا الأساسية إذن في فقد الهدف الجيد، وليست في الافتقار إلى الوسيلة الناجحة، وأزمة الهدف الجيد هي نتيجة قصور بنيوي يعاني منه العمل الدعوي منذ مدة ليست بالقصيرة، وذلك القصور يتمثل في ضعف فهم نوعية الحركة المطلوبة لهواية الناس وإصلاح شؤونهم ونوعية الخطاب الذي تجب صياغته في كل ذلك، وهذا يترتب عليه عدم القدرة على تحديد الأولويات التي يجب أن توجَّه إليها معظم الجهود والإمكانات، مما يدفع الناس إلى أن يعلوا في كل اتجاه، وأن يهتموا بكل شيء ولكن دون تحقيق اختراقات جيدة في أي مجال من المجالات.
إننا إذا امتلكنا الهدف الجيد فقد نتمكن من امتلاك الوسيلة المناسبة، وقد لا نتمكن، لكن إذا لم نمتلكه فإننا قطعًا لن نعرف الوسيلة المطلوبة ولن نصل بالتالي إليها.