في البيئات المتخلفة تتطور المصالح الشخصية، ويحقق كثير من الناس الكثير من أهدافهم المادية وغير المادية بسرعة وبجهد أقل، وذلك لأن الحركة في سوق العمل وفي مجال كسب المال عامة، لا تأخذ في اعتبارها النظم السارية، فالإهدار القانوني، يتيح للناس أن يقوموا بكل حساباتهم وبرسم كل أهدافهم على أساس حرية الحركة واستخدام القوة والنفوذ والرشوة والوجاهة... في تحقيق الأمنيات وبلوغ الرغبات، ويكون الثمن طبعًا هو انحطاط الأخلاق وفقر الحياة الثقافية والاجتماعية. هذه الوضعية باتت غير مقبولة في ثقافة النهضة الحديثة؛ إذ بات على من يريد بلوغ وضعية (العملقة) والريادة أن يبحث دون كلل عن صيغ للتوفيق بين أهدافه وبين النظم والقوانين السارية ومتطلبات التنمية المستدامة؛ لابد من الحصول على المشروعات والأعمال بطريقة مشروعة وصحيحة، ولابد من دفع الضرائب للدولة، كما أنه لابد من مراعاة نظافة البيئة والوضع التنظيمي العام. وهذه الأمور قد تجعل النجاح صعبًا، كما تجعل تحقيق تراكم مالي سريع أمرًا غير متاح في كثير من الأحيان، لكن يشعر الإنسان مع مراعاته لهذه الضوابط والقيود أنه لا يكسب المال على حساب دينه وخلقه، ولا يجمع الثروة على نحو يؤدي إلى إضعاف الدولة التي تحكمه والمجتمع الذي يعيش فيه. لاشك أن الناس مفطورون على حب التحلل من القيود والإفلات من النظم والتكاليف، لكن الإصرار على تحقيق تقدم بعيد المدى، وتحقيق ازدهار روحي ومادي وثقافي في آن واحد هو الذي يحمل الناس على تحمل التكاليف التي ذكرناها. وإذا نظرنا في أوضاع الشركات العملاقة التي مر على إنشائها أكثر من مئة عام، وما زالت تحقق النجاح تلو النجاح، فإننا نجد أنها تستجيب فعلًا لنبض العصر في معظم الأحيان. وهكذا فإن على الواحد منا أن يحذر من النجاح الذي لا يتحقق إلاّ على حساب الاستقامة الخلقية، ولا يتحقق إلاّ عندما تتدهور البيئة القانونية والطبيعية التي يعيش فيها.
وأعتقد أن هذه الوضعية تستجيب وتتماشى مع التعاليم الإسلامية في مجال العمل على نحو مدهش!
من جملة ما نعتقد أنه جزء من نبض العصر (التركيز) في العمل، والحقيقة أن للشمول والتنويع إغراءات، تصعب مقاومتها، لكن إذا دقَّقنا النظر في الشأن الإنساني، فإننا سنجد أن الإنسان مفطور على أن يتقن ويؤدي عملًا واحدًا في وقت واحد، والتشتت و الجمع بين الاهتمامات المختلفة قلما يتيحان للمرء تحقيق إنجازات كبيرة. حين نقول: إن المعرفة تتضاعف كل عشر سنوات فهذا يعني أن ما هو مطلوب من العلم لتحقيق تفوق كبير بات أضعاف ما كان مطلوبًا قبل خمسين سنة، كما أن كثرة المنافسين في كل مجال من المجالات جعلت المقاعد الأولى محجوزة للأشخاص ذوي التخصصات الدقيقة، أي لأولئك الذين استطاعوا تركيز جهودهم في مجال أو عمل مهم. تدل بعض الدراسات على أنه لو كان للمرء فرصة، مقدارها (80%) لتحقيق هدف واحد بامتياز، فإنه إذا أضاف إليه هدفًا آخر فإن الفرصة لتحقيق هذين الهدفين بامتياز ستتراجع لتكون في حدود (64%) ، وإذا سعى إلى تحقيق خمسة أهداف في وقت واحد فإن فرصه في الحصول على نتائج ممتازة سوف تهبط إلى (33%) . كثير من الشباب حائر في أمر: هل يكمل دراسته العليا أو يكتفي بالدراسة الجامعية، وينصرف إلى سوق العمل لكسب رزقه، و منهم من يود أن يشتغل بالدعوة إلى الله -تعالى- إلى جانب أنه يعمل مهندسًا في إحدى الشركات، وبعضهم يودّ أن يجمع بين طلب العلم والتجارة... ومع تقديري وتفهمي للحالات الصعبة لكثير من الشباب إلاّ أن من المهم أن تكون معالم الوضعية الصحيحة واضحة بالقدر الكافي: إذا وجد المرء فرصة لأن يكمل دراساته العليا في جامعة جيدة، فلا ينبغي له أن يقدِّم على هذا أي شيء آخر؛ لأن الدراسات العليا تتيح له التركيز الذي نتحدث عنه. وإذا استطاع الإنسان أن يتفرغ للدعوة، فليفعل، وإذا استطاع أن يدعو إلى الله -تعالى- من خلال إتقانه لتخصصه فهذا شيء حسن. وإذا كان يعمل في التجارة، وأمكنه أن يتاجر في صنف واحد حتى يصل على تصنيعه في يوم من الأيام، فهذا أحسن من أن يتاجر بعشرة أصناف وهكذا... لكن من المهم أن ندرك أن النجاح لا يأتي من وراء أي تركيز، وإنما يأتي من وراء التركيز على أمور تشكل أهمية قصوى للمجتمع، كما أن الشخص الذي يقوم بها يملك الرغبة والقدرة على إنجازها على نحو مبدع، فقد تجد من قضى عمره في زراعة أرضه أو في صناعة الأحذية أو في طهي الطعام... لكنه لم يحقق أي تقدم استثنائي من وراء ذلك؛ لأنه لم يهتم بتوفير الشروط التي أشرنا إليها، ولم يكن الامتياز العالي هدفًا من أهدافه في أي يوم من الأيام.
نبض العصر (1)
د. عبد الكريم بكار 5/7/1428