فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 292

2)نحن في حاجة إلى ألاّ نقع أسرى الأوهام: أوهام الشهرة والثراء والقوة والسعة والسيطرة... لأن الواحد منا إذا وقع في مصيدة شيء من هذا، فإنه سوف يقع ويلقى حتفه وهو يركض خلف السراب. لنبدأ والنهاية في أذهاننا، وهي نهاية واضحة، ولا نحتاج إلى ذكاء كبير كي ندركها، الدنيا محدودة، ومحدود كل ما فيها من مسرات وآلام وأمجاد وأزمات.. كل ذلك محدود ومؤقت وزائل، وإن إدراكنا لهذه الحقيقة سيخفف من الجزع الذي يسيطر على بعض منا، كما سيخفف من الأشر والبطر الذي يسيطر على كثيرين، ولنتأمل قول الله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير* لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور) [الحديد:22-23] . التوازن مصدر لخير عظيم، لكنه يحتاج إلى وعي واجتهاد وشيء من السيطرة على الأهواء والرعونات النفسية، التوازن فضيلة من أعظم الفضائل؛ لأن الشخص المتوازن شخص نجح في إيقاف فضائله عند حدود معينة، فلم تنقلب إلى رذائل، إنه كريم كرمًا لا يصل إلى حد التبذير، ومدبر لأموره تدبيرًا لا يصل إلى حد الإمساك، ومقبل على الآخرة إقبالًا لا ينسيه الدنيا، كما أنه يكسب رزقه ويحسّن أوضاعه المعيشية على نحو لا يصرفه عن آخرته..

3)هذا الزمان هو زمان الإبداع والفكر والابتكار والمرونة والتكيف وإدارة الموارد والإمكانات، هو عصر عاد فيه الاعتبار للإنسان وإمكاناته الهائلة بعد أن تم استعباده في عصر الضعافة، ويكفي لتأكيد هذا ما ذكره بعض الباحثين من أن تكلفة المنتجات قد اختلف توزيعها اليوم عما كان قبل ثلاثين سنة، فقد كان 20% من التكلفة يذهب للإبداع والابتكار و80% للمواد الأولية، أما اليوم فقد اختلف الأمر؛ إذ إن 70% من التكلفة يعود للمعرفة والإبداع الإنساني و30% للمواد الأولية وهذا يعني أن الذين لن يعلّموا ولن يتعلموا بطريقة ممتازة سيجدون أنفسهم فعلًا في ورطة كبيرة مهما كانت وفرة المواد الأولية لديهم كبيرة، وذلك لأن دورها في صناعات المستقبل وفي كسب المنافسة العالمية سوف يتراجع يومًا بعد يوم!

ماذا يعني هذا بالنسبة إلينا؟

إنه يعني الآتي:

أ- الحرص على تلقي العلم في جامعات مرموقة.

ب - اعتماد التعلم مدى الحياة مبدأ في اكتساب المعرفة.

جـ - اكتساب المهارات المتجددة، والسخاء في دفع تكاليف ذلك.

د - تأهيل النفس للعمل ضمن فريق.

هـ- الاستفادة القصوى من الوقت.

و- العمل على النفس الطويل، وامتلاك الرؤية الإستراتيجية.

كل شيء في العالم يتغير ويتجدد بسرعة كبيرة، وعلينا أن نفتح أعيننا على ذلك جيدًا حتى لا نجد أنفسنا في أزمات خانقة، لا نعرف السبيل إلى الخروج منها.

وعلى الله قصد السبيل..

د. عبد الكريم بكار 27/11/1427

يأتي الواحد منا إلى الدنيا وهو لا يعلم شيئًا، ويخرج منها بعد عمر مديد، وهو لا يعرف إلاّ القليل، ويجهل الكثير الكثير، وهو بين القدوم النضر المتفتح، وبين الأفول الذابل الواهي، ويبذل الكثير من الجهد، ويلاقي الكثير من العناء في سبيل امتلاك رؤية حسنة لمحيطه ورؤية الجديد المؤثّر في معيشته، وفي سبيل مكافحة العماء (اللاتكوّن) . هذا الإنسان المحدود، يواجه على نحو دائم مشكلة إدراك الأشياء على ما هي عليه، ومشكلة التعامل معها على النحو الصحيح. والمشكلة الأكثر تعقيدًا تكمن في جهله بقصوره وضعف إمكاناته، مما جعله المخلوق الأكثر إسرافًا في الادعاء والتبجّح في هذا الكون!

نحن في حاجة حقيقة إلى إنشاء (علم الطرق المسدودة) أو ما يمكن أن يُسمّى بـ (علم القصور الذاتي) أو (علم الجهل) ، أي نحتاج إلى تنظيم معرفة تمكننا من أن نتحدث كثيرًا عن الأشياء التي لا نعرفها والغوامض التي لا نفقهها، والفنون والمهارات التي لا نتقنها، كما تمكننا من تلمس الحدود الفاصلة -على نحو مقبول- بين القريب والبعيد، والصعب والسهل، وما نستطيع تغييره، وما لا نستطيع، وما نملكه وما لا نملكه... ونحن في حاجة إلى هذا العلم حتى نقلل من إمكانات الخطأ، وحتى نقلل من النزاع والجدال العقيم، كما أننا في حاجة إليه من أجل توفير الجهد والوقت، فنحن حين نعرف الطرق المسدودة، نمضي في الطريق المفتوح بثقة وطمأنينة، وحين نعرف ما لا نستطيع فعله، نُعرض عنه، وحين ندرك ما لا نستطيع دفعه، نسلِّم لله -تعالى- به، ونحتسب فيه. لدينا مئات الآلاف بل عشرات الملايين من العلماء والباحثين الذين يتحدثون عما يعرفون وليس لدينا إلاّ النزر القليل من الذين يتحدثون عن المشكلات غير المحلولة وعن المعلومات الناقصة والخبرات الفجة، وقد أدى هذا إلى وجود ضعف شديد في تراكم الخبرات المتعلقة بالموضوعات الشائكة والمسائل المستعصية، كما أدى إلى أن يبدأ الباحثون الجدد من نقطة الصفر، كما يبدأ الطفل رحلة المعرفة بتعلم كتابة اسمه! لهذا فنحن في أمس الحاجة إلى أن ننشر كل المفاهيم والمعارف والخبرات ذات الصلة بما نجهله، وبما أعيان أعيانا فهمه، وأتعبتنا الإحاطة به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت